Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

موقع الاعظمية الاولموقع الاعظمية الاولموقع الاعظمية الاولموقع الاعظمية الاول

أهلا بكم في موقع الأعظمية الأول...أول موقع إلكتروني دولي لمدينة الاعظمية على شبكة الإنترنت..............أهلا بكم في موقع الاعظمية الاول ..أول موقع إلكتروني دولي لمدينة الأعظمية على شبكة الإنترنت

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كتاب "الحياة الربانية والعلم" للشيخ القرضاوي

الباب الثالث

العلم بداية الطريق

الفصل الخامس

الصوفية والعلم

 

    بدأ الإمام الغزالي موسوعته "إحياء علوم الدين" ـ التي تضمنت أربعين كتابا، شملت العبادات والعادات والمهلكات والمنجيات من الأخلاق ـ بكتاب "العلم"، الذي أفاض فيه، وفصل القول، في بيان أقسامه، والمحمود منه والمذموم، وبيان فرض الكفاية من فرض العين منه، كما ظهر لنا فيما سبق.

كما جعل أول "عقبة" يجب على سالك الطريق أن يجتازها هي: "عقبة العلم"، وذلك في كتابه "منهاج العابدين" الذي صنفه قبل موته بقليل، ليرسم فيه معالم الطريق إلى الله بإيجاز.

وكأن الغزالي بهذا الصنيع يرد على المنحرفين من المتصوفة الذين استخفوا بقيمة العلم، وزعموا أنه "حجاب" بين العبد وربه، وأثرت عنهم في ذلك عبارات تمجها الأسماع، وتنفر منها الطباع، لا يقبلها دليل الشرع، ولا برهان العقل.

ولم يكتف الغزالي ـ رحمه الله ـ بهذا، بل نجده كثيرا في شرحه للأخلاق الربانية والمقامات الإيمانية، يبين أهمية العلم لتحقيقها والمحافظة عليها، فالعلم أحد المكونات أو العناصر الأساسية الثلاثة، التي يعبر عنها بأنها: علم، وحال، وعمل.

فالعلم يمثل الجانب المعرفي والإدراكي، وهو المقدمة والأساس، والحال يمثل الجانب الوجداني والانفعالي، والعمل يمثل الجانب الإرادي والسلوكي.

وإلى هذا الترتيب يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم).

وقد ذكرنا فيما سبق تأثير العلم في السلوك وأنه من ثمراته ـ إذا رسخ وتمكن ـ اليقين والمحبة لله، وأنه الذي يعرف السالكين إلى الله حقيقة الإخلاص، وآفة الرياء.

 

بين العلم والمعرفة

بيد أن الغلاة من الصوفية يزدرون العلم الشرعي، في مقابل الكشف أو الذوق الصوفي.

"وهم يسمون صاحب العلم الشرعي "عالما"، ويسمون صاحب الكشف الصوفي "عارفا"، فـ "العلم" عندهم كسبي استدلالي، و"المعرفة" وهبية ضرورية ـوهي العلم اللدني ـ والعلم له الخبر، والمعرفة لها العيان.

ومثال هذا: أنك إذا رأيت في حومة ثلج ثقبا خاليا، استدللت به على أن تحته حيوانا يتنفس، فهذا علم. فإذا حفرته وشاهدت الحيوان، فهذه معرفة.

ولا مشاحة في الاصطلاح، فلكل طائفة أن تصطلح على ما تتفاهم به، بشرط أن تتضح المدلولات، وتتحدد المفاهيم، ولكن الخطر هنا هو تحقير "العالم" وتقديس "العارف"، أو اعتبار ما يجئ من طريق المعرفة معصوما، وما يجئ من طريق العلم مظنونا أو مشكوكا فيه أو منقوصا، وإن كان مستمدا من الكتاب والسنة.

وذلك كقول بعض المنحرفين: "العلم يسعطك الخل والخردل، والعارف ينشقك المسك والعنبر"!

قال: ومعنى هذا: أنك مع العالم في تعب، ومع العارف في راحة، العارف يبسط عذر العوالم والخلائق، والعالم يلوم. وقد قيل: من نظر إلى الخلق بعين "العلم" مقتهم، ومن نظر إليهم بعين "المعرفة" عذرهم!!

يقول الإمام ابن القيم معقبا على هذا الكلام الخطير:

"فانظر ما تضمنه هذا الكلام ـ الذي ملمسه ناعم، وسمه زعاف قاتل ـ من الانحلال عن الدين، ودعوى الراحة من حكم العبودية، والتماس الأعذار لليهود والنصارى وعباد الأوثان، والظلمة والفجرة، وأن أحكام الأمر والنهي ـ الواردين على ألسن الرسل ـ للقلوب بمنزلة سعط الخل والخردل، وأن شهود الحقيقة الكونية الشاملة للخلائق، والوقوف عليها، والانقياد لحكمها، بمنزلة تنشيق المسك والعنبر.

فليهن الكفار والفجار والفساق، انتشاق هذا المسك والعنبر إذا شهدوا هذه الحقيقة وانقادوا لحكمها!

ويا رحمة للأبرار المحكمين لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من كثرة سعوطهم بالخل والخردل!

فإن قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا يجوز، وهذا لا يجوز، وهذا حلال وهذا حرام، وهذا يرضي الله، وهذا يسخطه: خل وخردل عند هؤلاء الملاحدة، وإلا فالحقيقة تشهدك الأمر بخلاف ذلك.

ولذلك إذا نظرت ـ عندهم ـ إلى الخلق بعين الحقيقة عذرت الجميع، فتعذر من توعده الله ورسوله أعظم الوعيد، وتهدده أعظم التهديد.

ويا لله العجب! إذا كانوا معذورين في الحقيقة، فكيف يعذب الله سبحانه المعذور، ويذيقه أشد العذاب؟

وهلا كان الغني الرحيم أولى بعذره من هؤلاء"؟

 

التزام الصوفية الأوائل بالعلم الشرعي

ولكن هؤلاء المنحرفين لا يمثلون التصوف كله، ومن الظلم أن نأخذ الجميع بوزرهم، إنما يمثله حقا شيوخه الكبار الذين أنكروا على هؤلاء هذه الدعاوى العريضة، التي زعموا فيها الاستغناء عن علم الكتاب والسنة.

ويحسن بنا أن نذكر هنا بعض ما نقله ابن القيم في "مدارج السالكين" عن المعتدلين من أكابر القوم، وأئمة السلوك، وهو ما نقله القشيري في "رسالته" أيضا:

"قال سيد الطائفة وشيخهم الجنيد بن محمد رحمه الله: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى آثار الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقال: من لم يحفظ القرآن، ويكتب الحديث، لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة.

وقال: مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة.

وقال أبو حفص ـ رحمه الله ـ: من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره، فلا يعد في ديوان الرجال.

وقال أبو سليمان الداراني ـ رحمه الله ـ: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب، والسنة.

وقال أبو زيد: عملت في المجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدت شيئا أشد علي من العلم ومتابعته.

وقال مرة لخادمه: قم بنا إلى هذا الرجل الذي قد شهر نفسه بالصلاح لنزوره، فلما دخلا عليه المسجد تنخع، ثم رمى بها نحو القبلة، فرجع فلم يسلم عليه، وقال: هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يكون مأمونا على ما يدعيه؟

وقال: لقد هممت أن أسأل الله تعالى أن يكفيني مؤنة النساء، ثم قلت: كيف يجوز لي أن أسأل الله هذا، ولم يسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولم أسأله، ثم إن الله كفاني مؤنة النساء، حتى لا أبالي استقبلتني امرأة أو حائط.

وقال: لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات إلى أن يرتفع في الهواء، فلا تغتروا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وآداب الشريعة!

وقال أحمد بن أبي الحواري ـ رحمه الله ـ: من عمل عملا بلا اتباع سنة، فباطل عمله.

قال ابن القيم: "وأما الكلمات التي تروى عن بعضهم: من التزهيد في العلم، والاستغناء عنه، كقول من قال: "نحن نأخذ علمنا من الحي الذي لا يموت، وأنتم تأخذونه من حي يموت"!

وقول الآخر ـ وقد قيل له: ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق؟ فقال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق، من يسمع من الخلاق؟!

وقول الآخر: العلم حجاب بين القلب وبين الله عز وجل!

وقول الآخر: إذا رأيت الصوفي يشتغل بـ "أخبرنا" و"حدثنا" فاغسل يدك منه!

وقول الآخر: لنا علم الحرق (جمع حرقة)، ولكم علم الورق.

ونحو هذا من الكلمات التي أحسن أحوال قائلها: أن يكون جاهلا يعذر بجهله، أو شاطحا معترفا بشطحه، وإلا فلولا عبد الرزاق وأمثاله، ولو "أخبرنا" و "حدثنا" لما وصل إلى هذا وأمثاله شيء من الإسلام.

ومن أحالك على غير "أخبرنا" و"حدثنا" فقد أحالك: إما على خيال صفوفي، أو قياس فلسفي، أو رأي نفسي! فليس بعد القرآن و"أخبرنا" و"حدثنا" إلا شبهات المتكلمين، وآراء المنحرفين، وخيالات المتصوفين، وقياس المتفلسفين، ومن فارق الدليل، ضل عن سواء السبيل، ولا دليل إلى الله والجنة، سوى الكتاب والسنة، وكل طرق لم يصحبها دليل القرآن والسنة فهي من طرق الجحيم، والشيطان الرجيم".

 

حقيقة العلم اللدني

أما "العلم اللدني" الذي طنطن به بعضهم، وأبدأ فيه وأعاد، وزعم الاستغناء به عن العلم الكبسي، الذي يتصل بالأدلة والشواهد، فقد قال فيه ابن القيم في شرح ما جاء في كلام الهروي عنه في "منازل السائرين":

"العلم اللدني هو: العلم الذي يقذفه الله في القلب بلا سبب من العبد، ولا استدلال، ولهذا سمي لدنيا، قال تعالى: (علم الإنسان ما لم يعلم)، ولكن هذا العلم أخص من غيره، ولذلك إضافة إليه سبحانه، كبيته وناقته وبلده وعبده، ونحو ذلك. فتضمحل العلوم المستندة إلى الأدلة والشواهد في العلم اللدني، الحاصل بلا سبب ولا استدلال، هذا مضمون كلامه" (يعني الهروي صاحب "المنازل").

قال ابن القيم: "ونحن نقول: إن العلم الحاصل بالشواهد والأدلة، هو العلم الحقيقي، وأما ما يدعى حصوله بغير شاهد ولا دليل، فلا وثوق به (وليس بعلم). نعم قد يقوى العلم الحاصل بالشواهد ويتزايد، بحيث يصير المعلوم كالمشهود، والغائب كالمعاين، وعلم اليقين كعين اليقين، فيكون الأمر شعورا أولا، ثم تجويزا، ثم ظنا، ثم علما، ثم معرفة، ثم علم يقين، ثم حق يقين، ثم عين يقين، ثم تضمحل كل مرتبة في التي فوقها، بحيث يصير الحكم لها دونها، فهذا حق.

"وأما دعوى وقوع نوع من العلم بغير سبب من الاستدلال، فليس بصحيح، فإن الله سبحانه ربط التعريفات بأسبابها، كما ربط الكائنات بأسبابها، ولا يحصل لبشر علم إلا بدليل يدله عليه، وقد أيد الله سبحانه رسله بأنواع الأدلة والبراهين التي دلتهم على أن ما جاءوا به هو من عند الله، ودلت أممهم على ذلك. وكان معهم أعظم الأدلة والبراهين على أن ما جاءهم هو من عند الله، وكانت براهينهم أدلة وشواهد لهم وللأمم، فالأدلة والشواهد التي كانت لهم، ومعهم: أعظم الشواهد والأدلة، والله تعالى شهد بتصديقهم بما أقام عليه من الشواهد، فكل علم لا يستند إلى دليل فدعوى لا دليل عليها، وحكم لا برهان عند قائله. وما كان كذلك لم يكن علما، فضلا عن أن يكون لدنيا.

"فالعلم اللدني: ما قام الدليل الصحيح عليه، أنه جاء من عند الله على لسان رسله، وما عداه فلدني من لدن نفس الإنسان، منه بدأ وإليه يعود.

"وقد انبثق سد العلم اللدني، ورخص سعره، حتى ادعت كل طائفة أن علمهم لدني. وصار من تكلم في حقائق الإيمان والسلوك وباب الأسماء والصفات بما يسنح له، ويلقيه شيطانه في قلبه، يزعم أن علمه لدني!! فملاحدة الاتحادية، وزنادقة المنتمين إلى السلوك يقولون: إن علمهم لدني! وقد صنف في العلم اللدني متهوكو المتكلمين، وزنادقة المتصوفين، وجهلة المتفلسفين، وكل يزعم أن علمه لدني! وصدقوا وكذبوا، فإن "اللدني" منسوب إلى "لدن" بمعنى "عند"، فكأنهم قالوا: العلم العندي، ولكن الشأن فيمن هذا العلم من عنده ومن لدنه، وقد ذم الله تعالى بأبلغ الذم من ينسب إليه ما ليس من عنده كما قال تعالى: (ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون)، وقال تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله) وقال تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء) فكل من قال: هذا العلم من عند الله ـ وهو كاذب في هذه النسبة ـ فله نصيب وافر من هذا الذم. وهذا في القرآن كثير، يذم الله سبحانه من أضاف إليه ما لا علم به، ومن قال عليه ما لا يعلم. ولهذا رتب سبحانه المحرمات أربع مراتب، وجعل أشدها القول عليه بلا علم، فجعله آخر مراتب المحرمات التي لا تباح بحال، بل هي محرمة في كل ملة، وعلى لسان كل رسول، فالقائل: إن هذا "علم لدني" لما لا يعلم به من عند الله، ولا قام عليه برهان من الله أنه من عنده: كاذب مفتر على الله، وهو من أظلم الظالمين، وأكذب الكاذبين".

على أن كثيرا من الصوفية المتأخرين رفضوا حجية الإلهام.

قال العلامة الألوسي في تفسيره عند قصة الخضر من سورة الكهف:

"وممن صرح بأن الإلهام بحجة من الصوفية: الإمام الشعراني، وقال: قد زل في هذا الباب خلق كثير فضلوا وأضلوا، ولنا في ذلك مؤلف سميته "حد الحسام في عنق من أطلق إيجاب العمل بالإلهام" وهو مجلد لطيف".

فمن احتج بالإلهام وحده على حكم شرعي فاحتجاجه مردود عليه.

 

موقفنامن قضية ا لكشف والإلهام

وموقفنا من قضية الكشف والإلهام، هو موقف العلماء الربانيين من دعاة "الوسطية الإسلامية" وهم الذين جمعوا بين النورين: نور العقل ونور القلب، نور العلم ونور الإيمان، نور الفطرة ونور النبوة، واهتدوا بصحيح المنقول وصريح المعقول، ووفقوا بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية، وردوا الفروع إلى الأصول، والمتشابهات إلى المحكمات، والظنيات إلى القطعيات، فأثبتوا الإلهام والكشف والتحديث والفراسة والرؤى الصادقة بشروطها وفي حدودها، وأقاموا الوزن بالقسط ولم يخسروا الميزان، ولم يطغوا فيه، وبهذا أووا من العلم إلى ركن شديد، واعتصموا من الدين بحبل متين: (ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم).

وقد شرحنا هذا الموقف في بعض كتبنا مفصلا، ولا بأس أن نلخصه هنا:

إن موقف أهل التوسط والاعتدال من محققي علماء السنة، هو الذي يعبر بحق عن وسطية المنهج الإسلامي، ووسطية الأمة الإسلامية.

فهم لا يغلقون بابا من أبواب المعرفة والوعي، فتحه الله لبعض الناس، في بعض الأوقات، بجوار البابين الآخرين، من أبواب المعرفة، وهما اللذان لهما صفة العموم والدوام.

أعني: باب الحواس، وخصوصا السمع والبصر، وباب العقل، وقد يعبر عنه في القرآن الكريم بالفؤاد أو القلب، يقول تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا)، ويقول سبحانه وتعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)، فجعل هذه الثلاثة منافذ المعرفة للإنسان: السمع والأبصار للمعرفة الحسية، والأفئدة للمعرفة العقلية.

والمعرفة "السمعية" تدخل فيها العلوم النقلية، ومنها: علوم الدين، فهي علوم سمعية، وإن نقلت عن طريق القلم والكتاب.

والمعرفة "البصرية" تدخل فيها العلوم التجريبية، لأنها تقوم على الملاحظة والتجربة والقياس، وأساسها البصر والمشاهدة.

والمعرفة "الفؤادية" أو "القلبية" يدخل فيها المعرفة العقلية الخالصة، عن طريق النظر والتفكير والاعتبار والاستدلال، كما يمكن أن يدخل فيها المعرفة المباشرة عن طريق البصيرة والحدس والإلهام، وهو ما يسمونه "المعرفة الروحية".

ذلك أن كلمة "الفؤاد" أو "القلب" ليست مرادفة لكلمة "العقل"، بل هي أعم وأشمل، فقد يراد منها تلك اللطيفة المدركة العاقلة المفكرة، ولذا توصف أحيانا بالعقل أو الفقه، كما في قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها).

وقوله في أهل النار: (لهم قلوب لا يفقهون بها).

وقد يراد من كلمة الفؤاد أو القلب ما يطلق عليه الآن اسم "الروح" أو "الضمير" أو "البصيرة"، أو نحو ذلك من الكلمات التي تعبر عن نوع من الوعي المباشر دون الأدوات التي يستخدمها العقل المنطقي في تحصيل معرفته.

ومهما يكن من تفسيرنا لكلمة "الأفئدة" أو "القلوب" فإن مما لا ريب فيه أن فيها نورا فطريا أودعه الله فيها، يزداد بالإيمان والمجاهدة والتقوى، فيكون كما قال الله تعالى: (نور على نور).

كما أن الكفر والجحود والغفلة واتباع الهوى، يعطل هذه الأجهزة المعرفية لدى الإنسان، ويخرب صلاحيتها، كما قال تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون).

وقال عن بعض الكفار الذي نزل بهم عقاب الله: (وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون).

وقال تعالى: (أفرءيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله، أفلا تذكرون).

لم يقل العلماء المعتدلون الذين اهتدوا بالكتاب والسنة يسد باب الإلهام والكشف ونور البصيرة، وإنما أرادوا أن يقيدوه بالأصول والضوابط التي تمنع دخول الوهم والكذب والغلو فيه.

وإذا كان العقليون من قديم حاولوا أن يضبطوا إنتاج العقل بقواعد "المنطق" الذي عرفوه بأنه "آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر"، وبهذا يمكن الرجوع إلى هذه القواعد عند الخلاف (وإن كان للإسلاميين ملاحظات ومآخذ على هذا العلم مذكورة في مواضعها).

وإذا كان الشرعيون قد وفقهم الله لوضع علم "أصول الفقه" لضبط الاستدلال فيما فيه نص، وفيما لا نص فيه، وأسسوا بذلك علما عظيما لم يعرف مثله في حضارة من الحضارات، وغدا مفخرة من مفاخر التراث الفكري الإسلامي.

إذا كان الأمر كذلك، فكيف يترك الأمر فوضى في موضوع الكشف والإلهام، وندع الباب مفتوحا على مصراعيه، لكل من هب ودب، ممن تخيل فخال، أو من لا يميز بين إلهام الملك ونفث الشيطان، أو من ادعى الوصول ولم يرع الأصول، من كل دجال يشتري الدنيا بالدين، ويتبع غير سبيل المؤمنين؟!

هذا ما يراه الربانيون من علماء السنة، فهم لا ينكرون أن يقذف الله في قلب عبد من عباده نورا يكشف له بعض المستورات والحقائق، ويهديه إلى الصواب في بعض المواقف والمضايق، بدون اكتساب ولا استدلال، بل هبة من الله تعالى، وإلهاما منه.

ومن آمن بقدرة الله تعالى على كل شيء، وآمن بالطاقة الروحية الهائلة في الإنسان، وآمن بأثر الإيمان والعبادة والمجاهدة في تفجير هذه الطاقة الكامنة، لم يستبعد أن يقع الكشف والإلهام من الله لبعض عباده المؤمنين الصادقين، في بعض الأحوال والأوقات، تفضلا منه وتكرما: (قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم، يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم).

 

أثر التقوى والمجاهدة في الهداية والإلهام

ولا نزاع في أن الإيمان والعبادة والتقوى، ومجاهدة النفس، لها أثرها في تنوير العقل، وهداية القلب، والتوفيق إلى إصابة الحق في الأقوال، والسداد في الأعمال، والخروج من مضايق الاشتباه إلى باحات الوضوح، ومن اضطراب الشك إلى ثبات اليقين.

ولا نزاع كذلك في أن يكشف الله لبعض المتقين من عباده من حقائق العلم، وأنوار المعرفة، في فهم كتابه أو سنة نبيه، بمحض الفيض الإلهي والفتح الرباني ـ ما يلهث كثيرون ليحصلوا عليه بالمذاكرة والتحصيل، فلا يظفرون بما يدانيه، بشرط أن يحصلوا الأدوات الضرورية لفهم العلم.

ولا نزاع كذلك في أن يوهب بعض الناس من صدق الفراسة وقوتها ما يستطيع به أن يكتشف شخصية المرء يلقاه بنظرة إليه، أو كلمة يسمعها منه، أو يقرأ أفكاره، أو يعرف بعض ما يجول بنفسه.

وهي موهبة فطرية لدى بعض الناس تقويها الرياضة والمجاهدة، وتنميها تقوى الله تعالى، ويصقلها الإيمان واليقين بالله تعالى وبالدار الآخرة، حتى إن المؤمن لتصدق فراسته، كأنما ينظر بنور الله، ونطق بلسان القدر، ويبصر الغيب من وراء ستر رقيق.

ولابن القيم هنا كلام جيد في "مدارج السالكين" ينبغي أن يقرأ ويراجع.

 

ابن تيمية لا ينكر مطلق الإلهام الناشئ عن الإيمان والتقوى

ومن الناس من يظن أن شيخ الإسلام ابن تيمية يجحد كل أثر للإيمان والتقوى والمجاهدة الروحية في نفس الإنسان المسلم، فلا تفيده نورا يبصر به في الظلمات، ولا فرقانا يميز به بين المتشابهات، ولا هداية تنحل بها العقد والمشكلات، وأن شأن المؤمن العابد التقي المحاسب لنفسه، المراقب لربه، المخلص في عمله ونيته، كشأن العاصي المسرف على نفسه، أو الغافل عن ذكر ربه، الناسي لأمر آخرته، إذا استويا في الذكاء والتحصيل!

وربما يؤيد هذا الظن ما قد يلحظه بعضهم من جمود وتزمت في فريق من الحرفيين الذين ينسبون أنفسهم أو ينسبهم الناس إلى مدرسة ابن تيمية السلفية.

وكثيرا ما ظلم شيخ الإسلام وأصحابه، ونسب إليهم من الأفكار والمفاهيم والاتجاهات ما لم يقولوا به، وما يكذبه تراثهم وسيرتهم العلمية والعملية، وما ظلموا إلا بسبب هؤلاء المحجوبين المطموسين اليابسين، من زوامل النقل، وأسارى الرسم والشكل، الذين شغلوا بالظاهر عن الباطن، وبالصور عن الحقائق. الذين حرموا عمق الحاسة الروحية، ولم يوجهوا عنايتهم لأعمال القلوب، ومقامات الإيمان والإحسان، وتزكية الأنفس، ومجاهدتها في الله، حتى يهديها سبله، ويذيقها حلاوة الإيمان.

وليس أدل على منهج ابن تيمية وموقفه في هذه القضية من نقل كلامه نفسه بنصه رضي الله عنه.

يقول فيما نقل في مجموع فتاواه ورسائله:

"القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بمجرد رأيه فهو ترجيح شرعي! قال: فمتى ما وقع عنده وحصل في قلبه ما يظن معه أن هذا الأمر أو هذا الكلام أرضى لله ورسوله، كان هذا ترجيحا بدليل شرعي، والذين أنكروا كون الإلهام ليس طريقا إلى الحقائق مطلقا أخطأوا، فإذا اجتهد العبد في طاعة الله وتقواه كان ترجيحه لما رجح أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة والموهومة، والظواهر والاستصحابات الكثيرة، التي يحتج بها كثير من الخائضين في المذاهب والخلاف وأصول الفقه.

وقد قال عمر بن الخطاب: اقربوا من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون، فإنهم تنجلي لهم أمور صادقة.

وقال أبو سليمان الداراني: إن القلوب إذا اجتمعت على التقوى جالت في الملكوت، ورجعت إلى أصحابها بطرف الفوائد، من غير أن يؤدي إليها عالم علما.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء".

ومن معه نور وبرهان وضياء كيف لا يعرف حقائق الأشياء من فحوى كلام أصحابها؟ ولا سيما الأحاديث النبوية، فإنه يعرف ذلك معرفة تامة، لأنه قاصد العمل بها، فتتساعد في حقه هذه الأشياء مع الامتثال ومحبة الله ورسوله، حتى إن المحب يعرف من فحوى كلام محبوبه مراده منه تلويحا لا تصريحا:

والعين تعرف من عيني محدثها إن كان من حزبها أو من أعاديها

إنارة العقل مكسوف بطوع هوى وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا

وفي الحديث الصحيح: "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها".

ومن كان توفيق الله له كذلك فكيف لا يكون ذا بصيرة نافذة ونفس فعالة؟ وإذا كان الإثم والبر في صدور الخلق له تردد وجولان، فكيف حال من الله سمعه وبصره وهو في قلبه؟ وقد قال ابن مسعود: الإثم حواز القلوب. وقد قدمنا أن الكذب ريبة والصدق طمأنينة، فالحديث الصدق تطمئن إليه النفس، ويطمئن إليه القلب.

وأيضا فإن الله فطر عباده على الحق، فإذا لم تستحل الفطرة، شاهدت الأشياء على ما هي عليه، فأنكرت منكرها، وعرفت معروفها، قال عمر: الحق أبلج، لا يخفى على فطن.

فإذا كانت الفطرة مستقيمة على الحقيقة منورة بنور القرآن، تجلت لها الأشياء على ما هي عليه في تلك المزايا، وانتفت عنها ظلمات الجهالات، فرأت الأمور عيانا مع غيبها عن غيرها.

وإذا كان القلب معمورا بالتقوى انجلت له الأمور وانكشفت، بخلاف القلب الخراب المظلم، قال حذيفة بن اليمان: إن في قلب المؤمن سراجا يزهر، وفي الحديث الصحيح: "إن الدجال مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن، قارئ وغير قارئ"، فدل على أن المؤمن يتبين له ما لا يتبين لغيره، ولا سيما في الفتن.

وكلما قوى الإيمان في القلب قوى انكشاف الأمور له، وعرف حقائقها من بواطلها، وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف، وذلك مثل السراج القوي والسراج الضعيف في البيت المظلم، ولهذا قال بعض السلف في قوله: (نور على نور) قال: هو المؤمن ينطق الحكمة المطابقة للحق وإن لم يسمع فيها بالأثر، فإذا سمع بها بالأثر كان نورا على نور. فالإيمان الذي في قلب المؤمن يطابق نور القرآن، فالإلهام القلبي تارة يكون من جنس القول والعلم، والظن أن هذا القول كذب، وأن هذا العمل باطل، وهذا أرجح من هذا، أو هذا أصوب.

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر"، والمحدث: هو الملهم المخاطب في سره، وما قال عمر لشيء: إني لأظنه كذا وكذا إلا كان كما ظن، وكانوا يرون أن السكينة تنطق على قلبه ولسانه.

وأيضا فإذا كانت الأمور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن لقوة إيمانه يقينا وظنا، فالأمور الدينية كشفها له أيسر بطريق الأولى، فإنه إلى كشفها أحوج، فالمؤمن تقع في قلبه أدلة على الأشياء لا يمكنه التعبير عنها في الغالب، فإن كل أحد لا يمكنه إبانة المعاني القائمة بقلبه، فإذا تكلم الكاذب بين يدي الصادق عرف كذبه من فحوى كلامه، فتدخل عليه نخوة الحياء الإيماني فتمنعه البيان، ولكن هو في نفسه قد أخذ حذره منه، وربما لوح أو صرح به خوفا من الله، وشفقة على خلق الله، ليحذروا من روايته أو العمل به.

وكثير من أهل الإيمان والكشف يلقي الله في قلبه أن هذا الطعام حرام، وأن هذا الرجل كافر، أو فاسق، أو ديوث، أو لوطي، أو خمار، أو مغن، أو كاذب، من غير دليل ظاهر، بل بما يلقي الله في قلبه.

وكذلك بالعكس، يلقي في قلبه محبة لشخص، وأنه من أولياء الله، وأن هذا الرجل صالح، وهذا الطعام حلال، وهذا القول صدق، فهذا وأمثاله لا يجوز أن يستبعد في حق أو أولياء الله المؤمنين المتقين.

وقصة الخضر مع موسى هي من هذا الباب، وأن الخضر علم هذه الأحوال المعينة بما أطلعه الله عليه، وهذا باب واسع يطول بسطه، قد نبهنا فيه على نكت شريفة تطلعك على ما وراءها.

وما قاله شيخ الإسلام هنا، أكده وأيده تلميذه المحقق الإمام ابن القيم ـ رحمهما الله ـ في عدد من كتبه، وخصوصا في كتابه الشهير "مدارج السالكين".

 

شرط الاعتبار بالكشف والإلهام والرؤيا

كما لا نزاع في الإلهام والكشف في باب الكرامات والخوارق التي يكرم الله بها بعض أوليائه المتقين، فيقرب لهم البعيد، أو يكثر على أيديهم القليل، أو يكشف لهم بعض المستور من غيوب المستقبل، أو مكنونات الصدور، أو خفايا الأمور، أو يذلل لهم بعض الصعاب، بغير الطريق المعتاد، إلى غير ذلك مما كثرت فيه الحكايات، وتناقلته الروايات، مما لا يخلو بعضه من صحة وثبوت، وما لا يسلم بعضه أيضا من مبالغة أو اختلاق.

ولكن المبدأ مسلم به وبنتائجه بشرطه، وهو ألا يخرم قاعدة دينية ثابتة، ولا حكما شرعيا متفقا عليه.

وهو ما بينه وفصله بأدلته وأمثلته الإمام الشاطبي في كتاب المقاصد من "الموافقات"، فليرجع إليه.

فقد بين أن ما يخرم قاعدة شرعية، أو حكما شرعيا ليس بحق في نفسه، بل هو إما خيال، أو وهم، وإما من إلقاء الشيطان، وقد يخالطه ما هو حق وقد لا يخالطه، وجميع ذلك لا يصلح اعتباره، من جهة معارضته لما هو ثابت مشروع، فإن التشريع الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم عام لا خاص، لا ينخرم أصله، ولا ينكسر له اطراد، ولا يستثنى من الدخول تحت حكمه مكلف.

وإذا كان كذلك فكل ما جاء من هذا القبيل الذي نحن بصدده مضادا لما تمهد في الشريعة، فهو فاسد باطل.

قال الشاطبي: "ومن أمثلة ذلك مسألة سئل عنها ابن رشد في حاكم شهد عنده عدلان مشهوران بالعدالة في أمر، فرأى الحاكم في منامه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "لا تحكم بهذه الشهادة فإنها باطل"، فمثل هذا من الرؤيا لا معتبر بها في أمر ولا نهي،، ولا بشارة، ولا نذارة، لأنها تخرم قاعدة من قواعد الشريعة، وكذلك سائر ما يأتي من هذا النوع، وما روي: "أن أبا بكر رضي الله عنه أنفذ وصية رجل بعد موته برؤيا رؤيت"، فهي قضية عين لا تقدح في القواعد الكلية لاحتمالها، فلعل الورثة رضوا بذلك، فلا يلزم منها خرم أصل.

"وعلى هذا لو حصلت له مكاشفة بأن هذا الماء المعين مغصوب أو نجس، أو أن هذا الشاهد كاذب، أو أن المال لزيد وقد تحصل بالحجة لعمرو، أو ما أشبه ذلك، فلا يصح له العمل على وفق ذلك ما لم يتعين سبب ظاهر، فلا يجوز له الانتقال إلى التيمم، ولا ترك قبول الشاهد، ولا الشهادة بالمال لزيد على حال. فإن الظواهر قد تعين فيها بحكم الشريعة أمر آخر، فلا يتركها اعتمادا على مجرد المكاشفة أو الفراسة، كما لا يعتمد فيها على الرؤيا النومية، ولو جاز ذلك لجاز نقض الأحكام بها، وإن ترتبت في الظاهر موجباتها، وهذا غير صحيح بحال، فكذا ما نحن فيه.

"وقد جاء في الصحيح: "إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحكم له على نحو ما أسمع منه" .. الحديث، فقيد الحكم بمقتضى ما يسمع ويترك ما وراء ذلك، وقد كان كثير من الأحكام التي تجري على يديه يطلع على أصلها وما فيها من حق وباطل، ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يحكم إلا على وفق ما سمع، لا على وفق ما علم، وهو أصل في منع الحاكم أن يحكم بعلمه".

وقد كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلم من دخائل المنافقين وبواطن كفرهم ما يعلم، ولكنه لم يعاملهم وفقا لما كشف الله له من بواطنهم، بل عاملهم حسب ظواهرهم، وأجرى عليهم أحكام الإسلام، ومنحهم حقوق المسلمين في الحياة وبعد الممات.

وبهذا رد على من أراد من الصحابة أن يعاملهم معاملة الكفار المجاهرين فقال: "أخشى أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"!

وهكذا أمرنا أن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، ولم نؤمر أن نشق عن قلوب الناس.

 

قصة موسى والخضر

وخلافنا إنما هو مع الغلاة من الصوفية الذين اعتبروا كشفهم وإلهامهم مصدرا للأحكام الشرعية، فيحلون على أساسه وحده ويحرمون!

ويأخذون من قصة موسى والخضر: أن العلم اللدني مقدم على العلم الشرعي، وأن هناك "شريعة" يعلمها الفقهاء، و"حقيقة" يعرفها الأولياء، وأن الحقيقة مقدمة على الشريعة، فالشريعة للعوام والحقيقة للخواص، ويستدلون على هذه التفرقة بهذه القصة، التي ذكرها الله في سورة الكهف. فموسى ـ في نظرهم ـ كان ينظر بعين الشريعة فأنكر خرق السفينة، وقتل الغلام بغير جناية، وإقامة الجدار لقوم لا يستحقون إكراما ولا معونة.

وأما الخضر فكان ينظر بعين الحقيقة، ولهذا بين لموسى ما وراء كل أمر من هذه الأمور الثلاثة من أسرار وغيوب، فسلم موسى للخضر، لأن موسى لم يكن معه إلا علم الظاهر، علم الشريعة، والخضر كان معه علم الباطن، وهو علم الحقيقة!

والعلم الذي عند الخضر لم يأت نتيجة تعلم ولا اكتساب، إنما هو علم وهبي من لدن الله مباشرة وبلا واسطة، ويسمونه "العلم اللدني" أخذا من قوله تعالى: (وعلمناه من لدنا علما).

ومن هنا جاء عن بعض المتصوفة احتقارهم لعلم الشرع، الذي يعرف النصوص، ويعلم بالشواهد والأدلة، ويطلب من العلماء، ويروى بالأسانيد، ويسمونه "علم الورق".

وإنما يعنيهم علم "الباطن" أو "الحقيقة" أو "العلم اللدني" كما يسمونه، علم الخضر لا علم موسى، علم "أصحاب الأذواق"، لا علم "أصحاب الأوراق"، علم الصوفية لا علم المحدثين والفقهاء.

بل قال بعضهم في جراءة عجيبة: إن العلم حجاب بين صاحبه وبين الله جل جلاله!!

ولا ريب أن هذا من الجهل والعجب، والغرور، والشرود عن سواء الصراط، الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الغر الميامين. والتابعون لهم بإحسان، بل هم الذي سار عليه شيوخ الصوفية الأوائل أنفسهم، وربوا عليه مريديهم، وشددوا في ذلك، ولم يتهاونوا فيه.

وقد بين الإمام الشاطبي في "الموافقات" أن من خصائص الشريعة عمومها لكل المكلفين في كلالأوضاع والأحوال.

فلا يخرج عنها ولي ولا غيره بدعوى الكشف أو غيره، وأن العوائد الجارية ضرورية الاعتبار شرعا، فليس الاطلاع على المغيبات، ولا الكشف الصحيح بالذي يمنع جريانها على مقتضى الأحكام العادية، والقدوة في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ما جرى عليه السلف الصالح رضي الله عنهم.

ثم تعرض لقصة "الخضر" التي يحتج بها قوم على جواز الخروج عن ظاهر الشريعة لم سموهم الأولياء، أو أهل الكشف، وقال فيها:

"وأما قصة الخضر ـ عليه السلام ـ وقوله: (وما فعلته عن أمري)، فيظهر به أنه نبي، وذهب إليه جماعة من العلماء استدلالا بهذا القول. ويجوز للنبي أن يحكم بمقتضى الوحي من غير إشكال، وإن سلم فهي قضية عين، ولأمر ما، وليست جارية على شرعنا.

والدليل على ذلك أنه لا يجوز في هذه الملة لولي، ولا لغيره ممن ليس بنبي أن يقتل صبيا لم يبلغ الحلم، وإن علم أنه طبع كافرا، وأنه لا يؤمن أبدا، وأنه إن عاش أرهق أبويه طغيانا وكفرا، وإن أذن له من عالم الغيب في ذلك، لأن الشريعة قد قررت الأمر والنهي، وإنما الظاهر في تلك القصة أنها وقعت على مقتضى شريعة أخرى، وعلى مقتضى عتاب موسى عليه السلام، وإعلامه أن ثم علما آخر، وقضايا أخر لا يعلمها هو.

فليس كل ما اطلع عليه الولي من الغيوب يسوغ له شرعا أن يعمل عليه، بل هو على ضربين:

أحدهما: ما خالف العمل به ظواهر الشريعة من غير أن يصح رده إليه، فهذا لا يصح العلم عليه البتة.

والثاني: ما لم يخالف العمل به شيئا من الظواهر، أو إن ظهر منه خلاف فيرجع بالنظر الصحيح إليها، فهذا يسوغ العمل عليه. وقد تقدم بيانه.

فإذا تقرر هذا الطريق فهو الصواب، وعليه يربي المربي، وبه يعلق همم السالكين، تأسيا بسيد المتبوعين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أقرب إلى الخروج عن مقتضى الحظوظ، وأولى برسوخ القدم، وأحرى بأن يتابع عليه صاحبه، ويقتدى به فيه، والله أعلم".

وقبل الشاطبي بين شيخ الإسلام ابن تيمية بالأدلة: الغلط الذي وقع لأولئك القوم في الاحتجاج بقصة موسى والخضر على مخالفة الشريعة، مجتهدا أن يرد ما فعله الخضر إلى الشريعة.

ومما ذكره: أن موسى عليه السلام لم يكن مبعوثا إلى الخضر، ولا أوجب الله على الخضر متابعته وطاعته، بل قد ثبت في الصحيحين: "أن الخضر قال له: يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه"، وذلك أن دعوة موسى كانت خاصة.

وقد ثبت في الصحاح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما فضله الله به على الأنبياء، قال: "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة".

فدعوة محمد صلى الله عليه وسلم شاملة لجميع العباد، ليس لأحد الخروج عن متابعته وطاعته، والاستغناء عن رسالته، كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى وطاعته، مستغنيا عنه بما علمه الله.

وليس لأحد ممن أدركه الإسلام أن يقول لمحمد: إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه.

ومن سوغ هذا، أو اعتقد أن أحدا من الخلق ـ الزهاد والعباد أو غيرهم ـ له الخروج عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ومتابعته، فهو كافر باتفاق المسلمين، ودلائل هذا من الكتاب والسنة أكثر من أن تذكر هنا.

وقصة الخضر ليس فيها خروج عن الشريعة، ولهذا لما بين الخضر لموسى الأسباب التي فعل لأجلها ما فعل، وافقه موسى، ولم يختلفا حينئذ. ولو كان ما فعله الخضر مخالفا لشريعة موسى لما وافقه.

ومثل هذا وأمثاله يقع للمؤمنين بأن يختص أحد الشخصين بالعلم بسبب يبيح له الفعل في الشريعة، والآخر لا يعلم ذلك السبب، وإن كان قد يكون أفضل من الأول، مثل شخصين دخلا إلى بيت شخص، وكان أحدهما يعلم طيب نفسه بالتصرف في منزله، إما بإذن لفظي أو غيره، فيتصرف، وذلك مباح في الشريعة، والآخر الذي لم يعلم هذا السبب لا يتصرف.

وخرق السفينة كان من هذا الباب، فإن الخضر كان يعلم أن أمامهم ملكا يأخذ كل سفينة غصبا، وكان من المصلحة التي يختارها أصحاب السفينة إذا علموا ذلك، لئلا يأخذها.. خير من انتزاعها منهم.

ونظير هذا حديث الشاة التي أصابها الموت فذبحتها امرأة بدون إذن أهلها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنها فأذن لهم في أكلها، ولم يلزم التي ذبحت بضمان ما نقصت بالذبح، لأنه كان مأذونا فيه عرفا، والإذن العرفي، كالإذن اللفظي.

ولهذا بايع النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان في غيبته بدون استئذانه لفظا.

ولهذا لما دعاه أبو طلحة ونفرا قليلا إلى بيته، قام بجمع أهل المسجد، لما علم من طيب نفس أبي طلحة، وذلك لما يجعله الله من البركة، وكذلك حديث جابر.

وقد ثبت أن لحاما، دعاه فاستأذنه في شخص يستتبعه، لأنه لم يكن يعلم من طيب نفس اللحام ما علمه من طيب نفس أبي طلحة وجابر وغيرهما.

وكذلك قتل الغلام، كان من باب دفع الصائل على أبويه، لعلمه بأنه كان يفتنهما عن دينهما، وقتل الصبيان يجوز إذا قاتلوا المسلمين، بل يجوز قتلهم لدفع الصول على الأموال.

فلهذا ثبت في صحيح البخاري أن نجدة الحروري (من رؤوس الخوارج) لما سأل ابن عباس عن قتل الغلمان قال: "إن كنت تعلم منهم ما علمه الخضر من الغلام فاقتلهم، وإلا فلا تقتلهم".

ونقل الحافظ ابن الحجر في "فتح الباري" عن الإمام القرطبي كلمة قيمة تعليقا على قصة موسى والخضر وما يستفاد منها من أحكام وعبر، قال فيها:

"ولننبه هنا على مغلطتين:

الأولى: وقع لبعض الجهالة أن الخضر أفضل من موسى تمسكا بهذه القصة وبما اشتملت عليه، وهذا إنما يصدر ممن قصر نظره على هذه القصة، ولم ينظر فيما خص الله به موسى عليه السلام من الرسالة، وسماع كلام الله، وإعطائه التوراة فيما علم كل شيء، وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعته، ومخاطبون بحكم نبوته، حتى عيسى، وأدلة ذلك في القرآن كثيرة، ويكفي من ذلك قوله تعالى: (يا موسى أنى اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي).

قال: والخضر وإن كان نبيا فليس برسول باتفاق، والرسول أفضل من نبي ليس برسول، ولو تنزلنا على أنه رسول، فرسالة موسى أعظم، وأمته أكثر، فهو أفضل، وغاية الخضر أن يكون كواحد من أنبياء بني إسرائيل، وموسى أفضلهم. وإن قلنا: إن الخضر ليس بنبي بل ولي، فالنبي أفضل من الولي، وهو أمر مقطوع به عقلا ونقلا، والصائر إلى خلافه كافر، لأنه أمر معلوم من الشرع بالضرورة. قال: وإنما كانت قصة الخضر مع موسى امتحانا لموسى ليعتبر.

الثانية: ذهب قوم من الزنادقة إلى سلوك طريقة تستلزم هدم أحكام الشريعة فقالوا: إنه يستفاد من قصة موسى والخضر: أن الأحكام الشرعية العامة تختص بالعامة والأغبياء، وأما الأولياء والخواص، فلا حاجة بهم إلى تلك النصوص، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم، لصفاء قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم، لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتنجلي لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيفقون على أسرار الكائنات، ويعلمون الأحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر، فإنه استغنى بما ينجلي له من تلك العلوم عما كان عند موسى، ويؤيده الحديث المشهور: "استفت قلبك وإن أفتوك".

قال القرطبي: وهذا القول زندقة وكفر، لأنه إنكار لما علم من الشرائع، فإن الله قد أجرى سنته، وأنفذ كلمته، بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله، السفراء بينه وبين خلقه، المبينين لشرائعه وأحكامه، كما قال الله تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس)، وقال: (الله أعلم حيث يجعل رسالته)، وأمر بطاعتهم في كل ما جاءوا به، وحث على طاعتهم والتمسك بما أمروا به، فإن فيه الهدى، وقد حصل العلم اليقين وإجماع السلف على ذلك، فمن ادعى أن هناك طريقا أخرى يعرف بها أمره ونهيه، غير الطرق التي جاءت بها الرسل يستغنى بها عن الرسول، فهو كافر يقتل ولا يستتاب.

وقال: وهي دعوى تستلزم إثبات نبوة بعد نبينا، لأن من قال: إنه يأخذ عن قلبه، لأن الذي يقع فيه هو حكم الله، وأنه يعمل بمقتضاه، من غير حاجة منه إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "إن روح القدس نفث في روعي".

قال: وقد بلغنا عن بعضهم أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى، وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت! وكذا قال آخر: أنا آخذ عن قلبي وعن ربي! وكل ذلك كفر باتفاق أهل الشرائع، ونسأل الله الهداية والتوفيق.

وقال غيره: من استدل بقصة الخضر على أن الولي يجوز أن يطلع من خفايا الأمور على ما يخالف الشريعة، ويجوز له فعله، فقد ضل، وليس ما تمسك به صحيحا، فإن الذي فعله الخضر ليس في شيء منه ما يناقض الشرع، فإن نقض لوح من ألواح السفينة لدفع الظالم عن غصبها، ثم إذا تركها أعيد اللوح، جائز شرعا وعقلا، ولكن مبادرة موسى بالإنكار بحسب الظاهر. وقد وقع ذلك واضحا في رواية أبي إسحاق التي أخرجها مسلم ولفظه: فإذا جاء الذي يسخرها فوجدها منخرقة تجاوزها فأصلحها، فيستفاد منه وجوب التأني عن الإنكار في المحتملات. وأما قتله الغلام فلعله كان في تلك الشريعة. وأما إقامة الجدار فمن باب مقابلة الإساءة بالإحسان"، والله أعلم.

 

 

ومن هنا يتبين لنا أن العلم الشرعي لا يستغني عنه أحد، ولا يخرج عن حكمه أحد، أيا كانت منزلته في دين الله أو في دنيا الناس.

فاللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم).

 

عودة الى الصفحة السابقة : الباب الثالث / العلم بداية الطريق

 

 

عودة الى  الصفحة السابقة "كتاب "الحياة الربانية والعلم" للقرضاوي

 

 

عودة الى الصفحة الاسبق "محطات دينية"