الفصل الثالث
طلب العلم
فريضة
الحث
على التعلم
ومما عنى به
الإسلام: الحث على التعلم، فقد
خلق الله الناس غفلا من العلم،
وأعطاهم أدوات العلم ليتعلموا،
فإنما العلم بالتعلم، قال تعالى:
(والله أخرجنكم
من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا
وجعل لكم السمع والأبصار
والأفئدة لعلكم تشكرون).
وقال الشاعر:
تعلم، فليس
المرء يولد عالما وليس أخو علم
كمن هو جاهل!
وقد ذكرنا في
أكثر من حديث: "من سلك
طريقا يطلب فيه علما سهل الله له
به طريقا إلى الجنة".
"وإن
الملائكة لتضع أجنحتها لطالب
العلم رضا بما يصنع".
وإن طلب العلم
بمنزلة الجهاد في سبيل الله.
وقال صلى الله
عليه وسلم: "خيركم
من تعلم القرآن وعلمه".
وقال الله تعالى
في كتابه: (فلولا نفر
من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا
في الدين ولينذروا قومهم إذا
رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)، وقال: (فسئلوا
أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).
وقال ابن عباس:
ذللت طالبا، فعززت مطلوبا!
وقال ابن
المبارك: عجبت لمن لم يطلب العلم
كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة!
وقال بعض
الحكماء: إني لا أرحم رجالا
كرحمتي لأحد رجلين: رجل يطلب
العلم ولا يفهمه، ورجل يفهم
العلم ولا يطلبه!
وقال أبو
الدرداء: لأن أتعلم مسألة أحب
إلي من قيام ليلة!
وقال: العالم
والمتعلم شريكان في الخير. وسائر
الناس همج لا خير فيهم.
وقال أيضا: كن
عالما أو متعلما أو مستمعا، ولا
تكن الرابع فتهلك! والرابع هو
المعرض عن العلم.
ومما يحكى من
وصايا لقمان لابنه: يا بني، جالس
العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإن
الله سبحانه يحيي القلوب بنور
الحكمة، كما يحيي الأرض بوابل
السماء.
وقد ذكر القرآن
لنا تلك الرحلة التاريخية التي
قام بها نبي من أولي العزم من
الرسل ـ وهو موسى الذي كلمه الله
تكليما، واصطفاه برسالاته،
وأنزل عليه التوراة فيها هدى
ونور ـ ليطلب العلم عند رجل لم
يذكر القرآن لنا اسمه، واختلف
العلماء في شأنه: أهو نبي أم ولي؟
وحتى إن كان نبيا ـ وهو الصحيح ـ
فليس في منزلة موسى قطعا، ويبدو
أن موسى قطع هذه الرحلة، هو
وفتاه وخادمه على أقدامهما،
ولذا قال فيها: (آتنا
غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا
نصبا).
وفي هذه الرحلة
التي قصها علينا القرآن يتجلى
لنا بعض الآداب المهمة للتعلم.
أولى هذه
الآداب: الحرص على العلم مهما
يكن في طلبه من لأواء ومشقة
وعناء، كما فعل موسى عليه السلام
في رحلته إلى "مجمع
البحرين" وقد لقي فيها ما لقي
من النصب.
والأدب الثاني:
التلطف مع المعلم، وإظهار
الاحترام والتوقير له، وهذا ما
نلمسه بجلاء ووضوح في تعامل موسى
عليه السلام مع هذا العبد
الصالح، الذي عرف باسم
"الخضر" عليه السلام، فقد
قال له موسى بأدب التلميذ مع
المعلم: (هل اتبعك على أن
تعلمن مما علمت رشدا).
والأدب الثالث:
الصبر على المعلم، وهذا ما فعله
موسى مع معلمه، فحين عرض عليه أن
يتبعه ليعلمه مما علمه الله، قال
المعلم: (إنك لن تستطيع
معي صبرا، وكيف تصبر على ما لم
تحط به خبرا، قال ستجدني إن شاء
الله صابرا لا أعصي لك أمرا، قال
فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء
حتى أحدث لك منه ذكرا).
والأدب الرابع:
أن المؤمن لا يشبع من العلم،
وأنه يطلب أبدا الزيادة منه، كما
قال الله لخاتم رسله: (وقل
رب زدني علما). وهذا ما حرص
عليه موسى: أن يضيف إلى علمه علما
آخر.
والأدب الخامس:
ما نبهت عليه السنة النبوية،
وهو: أن يتعلم العلم يريد به وجه
الله تعالى. وبذلك يغدو طلب
العلم عبادة وجهادا في سبيل
الله، فعن أبي هريرة قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من
تعلم علما مما يبتغي به وجه الله
تعالى، لا يتعلمه إلا ليصيب به
عرضا من الدنيا، لم يجد عرف
الجنة يوم القيامة" .. يعني
ريحها.
وعن جابر قال:
قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "لا تعلموا
العلم لتباهوا به العلماء،
ولا تماروا به السفهاء، ولا
تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك،
فالنار النار".

العلم
من المهد إلى اللحد
والتعلم أو طلب
العلم في الإسلام لا يقف عند حد
معين، ولا عند سن معينة، وقد
اشتهر عند المسلمين هذه الحكمة:
"اطلب العلم من المهد إلى
اللحد"، حتى ظنها الناس حديثا
نبويا، وما هي بحديث، ولكنها من
مأثور التراث الإسلامي.
وكم رأينا من
علماء السلف من يطلب العلم، وهو
على فراش الموت، فيسأل بعض
أصحابه أو أبنائه أن يقرؤوا عليه
تفسير بعض الآيات القرآنية أو
بعض الأحاديث النبوية، أو بعض
المسائل الفقهية، أو نحو ذلك،
حتى يأتيه الموت وهو يطلب العلم.
وكم رأينا من
الشيوخ الكبار في السن، والكبار
في العلم، من يطلب العلم، لا
يستحي من شيخوخته ولا يستحي من
مكانته، ولا يجد في ذلك غضاضة
ولا حرجا، ليحقق الحديث الشريف: "منهومان
لا يشبعان: طالب علم، وطالب
دنيا".
وقد حكى لنا
الحافظ ابن عبد البر في كتابه
"جامع بيان العلم" صورا
ووقائع شتى.
ولهذا كان أئمة
الإسلام إذا قيل لأحدهم: إلى متى
تطلب العلم؟ فيقول: إلى الممات.
قال نعيم بن
حماد: سمعت عبدالله بن المبارك
رضي الله عنه يقول ـ وقد عابه قوم
في كثرة طلبه للحديث ـ فقالوا له:
إلى متى تسمع؟ قال: إلى الممات.
وقال الحسين بن
منصور الجصاص: قلت لأحمد بن حنبل
رضي الله عنه: إلى متى يكتب الرجل
الحديث؟ قال: إلى الموت.
وقال عبدالله بن
محمد البغوي: سمعت أحمد بن حنبل
رضي الله عنه يقول: إنما أطلب
العلم إلى أن أدخل القبر.
وقال محمد بن
إسماعيل الصائغ: كنت أصوغ مع أبي
ببغداد، فمر بنا أحمد بن حنبل،
وهو يعدو، ونعلاه في يديه، فأخذ
أبي بمجامع ثوبه، فقال: يا أبا
عبدالله، ألا تستحي؟ إلى متى
تعدو مع هؤلاء؟! قال: إلى الموت.
وقال عبدالله بن
بشر الطالقاني: أرجو أن يأتيني
أمري، والمحبرة بين يدي، ولم
يفارقني العلم والمحبرة!
وقال حميد بن
محمد بن يزيد البصري: جاء ابن
بسطام الحافظ يسألني عن الحديث
فقلت له: ما أشد حرصك على الحديث!
فقال: أو ما أحب أن أكون في قطار
آل رسول الله صلى الله عليه
وسلم؟!
وقيل لبعض
العلماء: متى يحسن بالمرء أن
يتعلم؟ قال: ما حسنت به الحياة!
وسئل الحسن عن
الرجل له ثمانون سنة: أيحسن أن
يطلب العلم؟ قال: إن كان يحسن به
أن يعيش.

العلم
المفروض طلبه فرض عين
في الحديث
المشهور الذي رواه ابن ماجه
وغيره: "طلب العلم
فريضة على كل مسلم".
والمراد
بالمسلم في الحديث: الإنسان
المسلم، رجلا كان أو امرأة،
ولهذا أجمعوا على أن الحديث يشمل
كل مسلم ومسلمة، وإن لم يرد لفظ:
"مسلمة" في رواية الحديث.
وقد اختلف شراح
الحديث في تحديد "العلم"
المفروض طلبه. فكل صاحب اختصاص
في علم أوله على العلم الذي
يشتغل به.
فالمتكلم قال:
هو علم العقائد الذي يعرف به
توحيد الله، والإيمان بملائكته
وكتبه ورسله واليوم الآخر.
والفقيه قال: هو
علم الفقه الذي يعرف به الحلال
والحرام، وتعرف به صحة
العبادات، واستقامة المعاملات.
والمفسر قال: هو
علم تفسير كتاب الله، الذي هو
أساس الملة، ومرجع الأمة.
والمحدث قال: هو
علم الحديث المبين للقرآن،
المجسد لسيرة الرسول، وأقواله
وأعماله وتقريراته.
والمتصوف قال: هو علم طريق
الآخرة، والسلوك إلى الله
تعالى، وكيفية تزكية النفس،
وعلاج مداخل الشيطان إليها.. الخ.
والأصولي قال:
بل هو علم أصول الفقه. الذي به
يعرف الاستدلال، فيما فيه نص،
والاستنباط فيما لا نص فيه.
بل هناك من قال:
علم العربية من النحو والصرف
والبلاغة، التي بها يفهم القرآن
والحديث.
والذي نراه هنا:
أن على المسلم أن يتعلم من دينه
ما يعرف به ربه، ويعرف به نبيه،
ويستيقن بصدق نبوته
وصحة رسالته،
وأن القرآن المنزل عليه من عند
الله، ويعرف العقائد الأساسية
في الإسلام: في الإلهيات
والنبوات والغيبيات المتعلقة
بالآخرة والعالم غير المنظور،
وأن يأخذ ذلك من كتاب الله تعالى
بما فيه من بينات تقنع العقل،
وتنير القلب، بعيدا عن التقليد
الأعمى، وعن المماحكات الجدلية،
التي أفسدت تفكير الخواص،
واعتقاد العوام.
والمطلوب هنا:
أن تكون دراسة العقيدة مبنية على
أساسين:
1.
القرآن الكريم، لا على أنه أخبار
نقلية، بل بما يتضمنه وما ينبه
عليه من براهين، فقد أنزله الله
هدى للناس، وبينات من الهدى
والفرقان، ويؤخذ من السنن
الصحاح ما يبين القرآن، وما يسير
في ضوئه.
2.
العلوم الكونية الحديثة، بما
تكشف للناس من أدلة تعين الناس ـ
وخصوصا المتشككين ـ في وجود الله
تعالى وفي وحدانيته، وإبداعه في
كونه، وإحسانه لخلقه، وتقرب
منهم الحقائق الدينية من النبوة
وأمور الآخرة.
كما أن على
المسلم أن يتعلم من أحكام
الإسلام وشرائعه ما هو في حاجة
إليه، من علم الطهارة، والصلاة،
وهو ما لا يستغني عنه مسلم، ومن
علم الصيام عندما يجئ رمضان، ومن
علم الزكاة عندما يملك نصابها،
ويتعلم من أنواع الزكاة ما هو
مفتقر إليه، فإن كان تاجرا تعلم
زكاة التجارة، وليس مطالبا
بمعرفة زكاة الأنعام أو الزروع
والثمار. وإذا قدر على الحج وعزم
عليه عرف أهم أحكامه.
كما عليه أن
يعرف أهم أحكام الحلال والحرام
التي يتعرض لها المسلم في حياته:
في المأكل والمشرب والملبس
والزينة، والبيت، والعمل، وحياة
الأسرة والمجتمع.
ولا يلزمه أن
يتبع مذهبا معينا، وخصوصا إذا
كان من أهل العلم، ويمكنه أن
يبحث عن الحكم بدليله، فلا ينبغي
لمثله أن يرضى بالتقليد، فقد
أجمع العلماء المتقدمون على أن
"العلم" هو معرفة الحق
بدليله، وأن التقليد المطلق ليس
علما!
وقد يقبل من
الشخص العامي أن يتبع مذهبا من
مذاهب الأئمة المعروفين إذا لم
يجد في بلده غيره، على ألا يتعصب
له بالحق وبالباطل. وإذا نصحه
ناصح أمين من ثقات العلماء أن
مذهبه ضعيف في هذه المسألة،
واطمأن إليه قلبه، فلا حرج عليه
أن يدع مذهبه في هذه القضية،
ويأخذ بالمذهب الراجح، وهذا ما
يسر إمامه الذي يدعي اتباعه.
وعلى كل مسلم أن
يعرف ما يخصه من أحكام، فالوالي
يعرف أحكام الولاية، والتاجر
يعرف أحكام التجارة، والزوج
يعرف حقوق الزوجية وواجباتها،
والأب يعرف حقوق الأبوة
والبنوة.. وهكذا.
وعلى كل مسلم أن
يعرف من علم الأخلاق والآداب
الشرعية: ما يضبط به سلوكه
بضوابط الشرع، فلا يحيد عما أمر
الله به، ولا يتجاسر على ما نهى
الله عنه، متحليا بالفضائل،
متخليا عن الرذائل.
وعلى كل مسلم أن
يعرف من علم طريق الآخرة والسلوك
إلى الله: ما يساعده على السير في
الطريق، ويعرفه بالعوائق
والآفات التي تعترضه، ويقوى
البواعث الخيرة في نفسه. حتى
يزكي نفسه ويفلح: (قد
أفلح من زكاها) ويترقى حتى يصل
إلى درجة الإحسان الذي وصفه
النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "الإحسان:
أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم
تكن تراه فإنه يراك".
وهذه هي العلوم
التي يجب على كل مسلم معرفتها،
وهي ـ كما قلنا ـ موصولة بالكتاب
والسنة، فمعرفة هذه العلوم
تتضمن معرفة ما يلزم من التفسير
والحديث.
وهناك علوم
مكملة، ينبغي للمسلم أن يلم بها،
مثل معرفة "السيرة
النبوية"، ودراسة شيء من
"علوم القرآن" و"علوم
الحديث" أو مصطلحه، وإذا تعمق
في العلم قرأ شيئا من "أصول
الفقه"، على أن تدرس هذه كلها
في كتب ميسرة بلغة معاصرة.
المهم أن يصل
المسلم بمعارفه إلى حد يستطيع
به: أن يزن أفكاره ومشاعره،
وأقواله وأعماله، وعاداته،
وسائر أموره بميزان الشرع، وأن
يحكم على الأشخاص والجماعات
والمواقف والسياسات بحكم
الإسلام، ومن منطلق الإسلام،
بعيدا عن إفراط الغلاة، وتفريط
المقصرين، فعلى أساس الإسلام
يحمد ويذم، ومن أجله يرضى ويسخط،
ويصل ويقطع، ويسالم ويحارب، فما
رضيه الشرع رضيه، وما رفضه الشرع
رفضه، غير عابئ به ولا آسف عليه،
كما قال تعالى: (وما
كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى
الله ورسوله أمرا أن يكون لهم
الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله
ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) وبذا يصبح
هواه تبعا لما جاء به محمد صلى
الله عليه وسلم، وهذا هو تمام
الإيمان.
ومن المفروض فرض
عين في عصرنا: أن يتعلم المسلم
القراءة والكتابة، ويزيل عن
نفسه وصمة الأمية، فقد أصبحت
الأمية عائقا للأمة عن التقدم
والتنمية، وغدا التعلم من أسباب
انتصارها وعزتها. وفي ميدان
المنافسة الاقتصادية والحضارية
في عصرنا لا مكان لأمة أكثرها من
الأميين!
ولقد بدأ النبي
صلى الله عليه وسلم في محاربة
الأمية في حياته منذ السنة
الثانية من الهجرة، حين جعل فداء
الأسير الكاتب: أن يعلم عشرة من
أبناء المسلمين الكتابة.
والواجب علينا اليوم أن نكمل
المسيرة، وألا نتخلف في السباق
الحضاري.

كيف
يحصل المسلم العلم المفروض
عليه؟
وهنا يطرح سؤال
تجب الإجابة عنه، وهو: كيف
يستطيع المسلم يحصل العلم
المفروض طلبه عليه؟
والجواب عن هذا
السؤال يختلف باختلاف أحوال
المسلم، فالمسلم القارئ المتعلم
غير المسلم الأمي.
فيستطيع المسلم أن يحصل هذا
العلم المفروض عليه، إما بالتلقي والسماع مشافهة من علماء ثقات في علمهم
وتقواهم وحسن فهمهم للدين وللواقع معا. وهذا ما يلزمه الأميين، وليس لهم
خيار في غيره، واجتهاد المسلم هنا في اختيار العالم الذي يتلقى منه. ويجب
أن يفرق المسلم بين العالم الواعظ الذي يأخذ منه الموعظة والتذكير، والعالم
الفقيه الذي يتلقى عنه الأحكام والشرائع، فليس كل واعظ مؤثر، أو خطيب مفوه،
يكون ثقة في فقهه وفتواه، فإن الله وزع المواهب والقدرات، وقليل ما هم.
ومن وسائل
التثقيف في عصرنا: الشريط
المسموع (الكاسيت)، وهو وسيلة
مهمة وسريعة التأثير، ويمكن
للإنسان أن يستخدمه وهو في
سيارته، أو في محل تجارته، أو
المرأة في مطبخها، أو غير ذلك،
دون أن يتكلف جهدا غير الاستماع
والتفهم.
ويضاف إلى ذلك
في عصرنا ما يبثه "التلفاز"
من برامج دينية.
وإما بالقراءة
والمطالعة لكتب ألفها علماء
ثقات كذلك، وستظل للكلمة
المكتوبة قيمتها وأثرها في
التوجيه والتثقيف، وهي الأطول
عمرا، والأبقى أثرا.
وينبغي للمسلم
أن يتخير الكتب التي يقرؤها
عامة، والتي يتعلم منها دينه
خاصة، فإن المطابع تخرج كل يوم
الثمين والغث، والجديد والرث،
فكم فيها من أصيل نافع، وكم فيها
من دخيل ضار، وعلى المرء أن يأخذ
ما صفا، ويدع ما كدر.
وقد قال أحد
الحكماء: أخبرني ماذا تقرأ؟
أخبرك: من أنت!
هذا.. وقراءة
الكتب القديمة لا يحسنها كل أحد،
فهي تحتاج إلى أدوات ومفاتيح
خاصة لفهمها، لما فيها من
مصطلحات، وقضايا علمية متصلة
بعلوم مختلفة، لغوية وشرعية،
يستغلق فهمها على كثير من الناس،
ولابد من تلقيها على شيوخها،
ليفكوا رموزها، ويردوها إلى
أصولها.
ومن هنا حذر
الراسخون من علماء الأمة من أخذ
العلم عن "الصحفيين"،
ويعنون بهم الذين يكونون علمهم
من "الصحف" وحدها، دون أن
يعيشوا في مدارس العلم،
ويعايشوا أهله، ويخالطوا شيوخه
وتلاميذه، وقالوا في ذلك قولتهم
المشهورة: لا تأخذ القرآن من
مصحفي، ولا العلم من صحفي!
فالقرآن لا يؤخذ
ممن تعلمه من المصحف وحده، ولم
يتلقه على أيدي شيوخه القراء
المتقنين، وكذلك العلم.
وفرض على المسلم
أن يسأل في كل ما يعترضه من مسائل
أو مشكلات يجهل فيها حكم الشرع،
ولا يجوز له أن يعمل فيها بهواه،
أو حسب رأيه الخاص، أو رأي من ليس
من أهل العلم والفتوى، ولا عذر
له في ترك السؤال حياء، أو كبرا،
أو كسلا، أو انشغالا بأمر
الدنيا، قال تعالى: (فسئلوا
أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، و(فسئل
به خبيرا).
وقال صلى الله
عليه وسلم في شأن قوم أهملوا
السؤال في واقعة حدثت لهم، ترتب
عليها قتل امرئ مسلم:
"قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا
إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي
السؤال".

فرض
الكفاية في العلم
وأما فرض
الكفاية، فقد يكون في علوم
الدين، وفي علوم الدنيا.
فأما علوم
الدين.. فما ليس بفرض عين فيها
فإن تعلمه والتبحر فيه فرض
كفاية، بحيث يظل في الأمة من إذا
استفتى أفتى بعلم، وإذا قضى قضى
بحق، وإذا دعا دعا على بصيرة.
يدل على هذا
قوله تعالى: (فلولا نفر
من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا
في الدين ولينذروا قومهم إذا
رجعوا إليهم لعلهم يحذرون).
فلم يوجب على
الجميع النفير لطلب العلم، إنما
أوجبه على طائفة في كل فرقة. سواء
أكانت هذه الطائفة اثنين أو أكثر
أو أقل، مادامت تكفي لوظيفة
الفقيه والإنذار.
كما يدل عليه
حديث: "حتى إذا لم
يبق عالما، اتخذ الناس رؤوسا
جهالا، فسئلوا بغير علم فضلوا
وأضلوا".
والواجب على
الأمة ـ بالتضامن ـ أن تهيئ من
أبنائها من يقوم بهذه المهمة في
الإفتاء والتفقيه والتعليم
والدعوة والإرشاد، في صورة
التخصص العالي، والعلم
الاستقلالي، وأن يكون لديها
العدد الكافي بحيث يلبي حاجتها
في كل بلد من البلدان.
وأما علوم
الدنيا.. فأعدل ما قيل فيه ما
قاله الإمام الغزالي، وهو أن فرض
الكفاية منها: كل علم لا يستغنى
عنه في قوام أمور الدنيا، كالطب،
إذ هو ضروري في حاجة بقاء
الأبدان، وكالحساب، فإنه ضروري
في المعاملات وقسمة الوصايا
والمواريث وغيرهما، وهذه هي
العلوم التي لو خلا البلد ممن
يقوم بها حرج أهل البلد (يعني:
دخل عليهم الحرج والمشقة) وإذا
قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن
الآخرين.
قال: "فلا
يتعجب من قولنا: إن الطب والحساب
من فروض الكفايات، فإن أصول
الصناعات أيضا من فروض
الكفايات، كالفلاحة والحياكة
والسياسة، بل الحجامة والخياطة،
فإنه لو خلا البلد من الحجام
(الذي يقوم بجراحة الحجامة، وهو
نوع من الجراحة الخفيفة) تسارع
الهلاك إليهم، وحرجوا بتعريضهم
أنفسهم للهلاك، فإن الذي أنزل
الداء أنزل الدواء، وأرشد إلى
استعماله، وأعد الأسباب
لتعاطيه، فلا يجوز التعرض
للهلاك بإهماله.
وأما ما يعد
فضيلة لا فريضة، فالتعمق في
دقائق الحساب، وحقائق الطب،
وغير ذلك، مما يستغنى عنه، ولكنه
يفيد زيادة قوة في القدر المحتاج
إليه".
وما قاله
الغزالي هنا قوي وموافق لمقاصد
الشريعة، فإنها تقصد إلى إنشاء
أمة قوية عزيزة مكتفية بذاتها،
قادرة على التصدي لأعدائها،
وهذا يوجب عليها ـ بالتضامن ـ أن
تتفوق في كل العلوم الطبيعية
والرياضية التي تحتاج إليها
الأمم في عصرنا لتنمو وتتقدم.
وليس الطب والحساب فقط، كما
تحتاج إلى الصناعات التكنولوجية
المتطورة، وليس أصول الصناعات
القديمة وحدها.
هذا.. ولا نوافق
الإمام الغزالي على اعتباره
التعمق في دقائق الحساب، وحقائق
الطب: مجرد فضيلة لا فريضة، فلعل
هذا كان بالنسبة إلى زمنه، أما
زمننا فيعتبر التعمق في هذه
العلوم وما يشبهها من الرياضيات
والفلك والفيزياء والكيمياء
والجيولوجيا والأحياء وغيرها،
بحيث يصل إلى دقائقها، ويرتقي
إلى حقائقها، فريضة لازمة.
والأمم تتسابق في هذا تسابقا
خطيرا، كل تحاول أن تحتل مكانا
يجعل لها قدرا، ولولا التعمق في
هذه العلوم ما وصل عصرنا إلى
تحطيم الذرة، وغزو الفضاء،
وصناعة "الكمبيوتر"،
والثورة "التكنولوجية"،
وثورة البيولوجيا "هندسة
الوراثة والجينات"، وثورة
المعلومات، وغيرها مما أمسى من
خواص عصرنا.

العلم
المباح
وقد ذكر الغزالي
ـ رحمه الله ـ العلم المباح،
فضرب له مثلا بالعلم بالأشعار
التي لا سخف فيها، والعلم
بتواريخ الأخبار وما يجري مجراه.
وهذا إذا كان
بالنسبة للأفراد فهو مسلم، فهو
في حقهم من المباح، الذي يمكن أن
يتحول إلى طاعة بالنية الصالحة،
بمعنى أن يقصد بتعلمه خدمة
الدين، وإرضاء الله تعالى، وقد
بينا في كتابنا "ثقافة
الداعية": أن الدراسة اللغوية
والأدبية، والدراسة التاريخية ـ
وخصوصا التاريخ الإسلامي بدءا
من السيرة النبوية وتاريخ
الراشدين، وتاريخ العلماء
والمصلحين ـ من الأدوات
الضرورية للداعية.
وأما بالنسبة
للأمة، والحديث عن الفروض
الكفائية الواجبة عليها ـ
فأعتقد أن دراسة الأشعار
والأدب، وكذلك دراسة التاريخ ـ
من فروض الكفاية على الأمة،
فلابد أن يوجد فيها متخصصون في
هذه المجالات، يعبرون عن فلسفة
الأمة وحضارتها، ويجعلون من
دراستهم أداة بناء لها لا معول
هدم لكيانها.
ولو ترك هذا
المجال فارغا لملأه أولئك الذين
يمثلون فلسفات دخيلة على الأمة،
لا تهتم بدينها ولا قيمها، ولا
رسالتها ولا تراثها، بل تعادي
ذلك كله.
وهذا ما عانيناه
من ذوي الغرض من المستشرقين من
الغربيين، والمستغربين من
أبنائنا الذين لم يتحصنوا
بالعلم النافع، والإيمان
الصادق، والخلق المتين.

العلم
المذموم
وذكر الإمام
الغزالي هنا: المذموم من العلم،
ومثل له بعلم "السحر
والطلسمات"، وعلم "الشعوذة
والتلبيسات".
وهذا صحيح.. فقد
ذكر الله السحر في كتابه وذمه
أبلغ الذم، وقال في شأن تعلمه: (ويتعلمون
ما يضرهم ولا ينفعهم).
واعتبر النبي
صلى الله عليه وسلم السحر من
السبع الموبقات، أي المهلكات
للفرد وللجماعة.
ومثل ذلك كل علم
لا يقوم على أساس صحيح، أو لا
ينفع الناس في دينهم ولا دنياهم،
بل يعود عليهم بالضرر المادي أو
المعنوي.
ومن ذلك: علم
التنجيم، الذي يدعي فيه معرفة
الغيوب، وكشف المستقبل بواسطة
النجوم، فهذا محرم، لأنه ضرب من
السحر، كما جاء في الحديث الذي
رواه ابن عباس: "من
اقتبس علما من النجوم، فقد اقتبس
شعبة من السحر، زاد ما زاد".
فهذا العلم لا
يقوم على أساس منطقي أو تجريبي،
وإن صدق فبالاتفاق والمصادفة،
ولذا قيل: كذب المنجمون ولو
صدقوا!
وهذا بخلاف
"علم الفلك" المبني على أسس
رياضية وتجريبية، وقد برع
المسلمون فيه أيام ازدهار
حضارتهم، وبرع الغربيون فيه
اليوم، وعلى أساسه استطاعوا
الوصول إلى القمر، ويحاولون
الوصول إلى الكواكب الأبعد.