نعمتان عظيمتان
من فضل
الله على المسلمين، وتمام نعمته عليهم: نعمتان عظيمتان، تميزت بهما هذه الأمة
الخاتمة: (يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم).
نعمة خلود القرآن
النعمة
الأولى: هي خلود مصادر هذا الدين، وبقاؤها محفوظة بحفظ الله لها، فإن هذه
الأمة هي الأمة الأخيرة، التي حملها الله آخر الرسالات، فليس بعد نبيها نبي،
ولا بعد قرآنها كتاب، ولا بعد دينها شريعة، ولهذا لم يكل حفظ كتابها إلى
أهلها كالكتب السابقة، بل تكفل بحفظه بنفسه، وقال في ذلك: (إنا نحن نزلنا الذكر
وإنا له لحافظون)،
والقرآن هو المصدر الأول لهذه الملة، والمنبع الأول للعقيدة والشريعة
والسلوك.
ولقد صدق
الواقع التاريخي هذا الوعد الإلهي أعظم تصديق، فقد مضت أربعة عشر قرنا أو
تزيد على نزول هذا القرآن، وهو هو، كما أنزله الله، وكما تلاه رسوله على
أصحابه، وكما كتب في عهد عثمان رضي الله عنه، تتناقله الأجيال، محفوظا في
الصدور، متلو بالألسنة، مكتوبا في المصاحف.
ولا يوجد
كتاب يحفظه ـ عن ظهر قلب ـ عشرات الألوف، ومئات الألوف من أبنائه، إلا القرآن
العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم
حميد.
وحفظ
القرآن ـ كما نبه الإمام الشاطبي رحمه الله ـ يتضمن حفظ السنة كذلك، لأن
السنة هي البيان النظري والعملي للقرآن، لأن حفظ المبين يتضمن حفظ البيان
معه.

نعمة السيرة النبوية
والنعمة
الثانية: هي السيرة النبوية العاطرة، وهي سيرة متميزة لها خصائصها التي بينها
المحققون من العلماء، فهي سيرة علمية مدونة، وسيرة تاريخية ثابتة، وسيرة
مكتملة الحلقات، من الولادة إلى الوفاة، وهي سيرة شاملة جامعة، تجسد حياة
النبي صلى الله عليه وسلم في وقائع وأحداث، ناطقة معبرة، هذه الحياة
المتكاملة المتوازنة، التي نجد فيها الإسلام حيا، والقرآن مفسرا، والقيم
الإسلامية تسعى بين الناس على قدمين، هذه الحياة هي التطبيق العملي للقرآن
الكريم، كما قالت عائشة وقد سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقالت: "خلقه كان القرآن".
هذه
الحياة هي التي يجد كل مسلم فيها أسوته المثلى، ومثله الأعلى، فقد أدبه ربه
فأحسن تأديبه، وأنزل عليه الكتاب والحكمة، وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل
الله عليه عظيما، وامتن به على المؤمنين، إذ بعثه رسولا منهم
(يتلو
عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال
مبين).
يقول الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان
يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا).
ولا يوجد
عند اليهود ولا النصارى ـ ولا عند غيرهم من أصحاب الأديان الأخرى ـ مثل هذه
السيرة الحية النابضة، الشاملة لكل مراحل الحياة، وكل جوانب الحياة، كما تصور
ذلك كتب الشمائل النبوية، وكتب "الهدي النبوي": في المأكل والمشرب، في الملبس
والزينة، في النوم واليقظة، في الحضر والسفر، في الضحك والبكاء، في الجد
واللهو، في العبادة والمعاملة، في الدين والدنيا، في السلم والحرب، في
التعامل مع الأقارب والأباعد، مع الأنصار والخصوم، حتى النواحي التي يسميها
الناس "خاصة" في معاشرة الزوجات، كلها مروية محفوظة في هذه السيرة
الكاملة.

المثل الأعلى للحياة
المتوازنة
والحق أن
المثل التطبيقي الأعلى للتكامل وللتوازن بين المثال والواقع، بين القلب
والعقل، بين الإيمان والعلم، بين الروح والمادة، بين الفردية والجماعية، بين
حق الرب وحظ النفس. وإعطاء كل منها حقه بلا طغيان ولا إخسار ـ هو رسول الله
صلى الله عليه وسلم ـ الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وأنزل عليه القرآن هدى
للناس وبينات من الهدى والفرقان.
الرسول العابد الزاهد
فنراه في
مجال العباد لربه، العابد الأول، الذي كانت قرة عينه في الصلاة، وكان يقوم
الليل حتى تتفطر قدماه، ويبكي حتى تبلل دموعه لحيته، وتعجب زوجه عائشة من شدة
تعبده وبكائه، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيقول لها:
"أفلا
أكون عبدا شكورا".
وكان يصوم
الاثنين والخميس من كل أسبوع غالبا، وأحيانا يديم الصيام حتى يظن من حوله أنه
سيصوم الدهر كله، وأحيانا يواصل الليل بالنهار في الصيام، فيمضي يومين أو
أكثر لا يتناول طعاما، بعد الغروب، وهو ما نهى عنه أصحابه ولهذا قالوا له:
أتنهانا عن الوصال وتواصل؟ فقال: "وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي
ويسقيني"، فكانت من
خصوصياته صلى الله عليه وسلم.
وكان دائم
الذكر لله تعالى في كل أحواله: وعلى كل أحيانه، بقلبه ولسانه. وأذكاره
وأدعيته ومناجاتاه لربه، يتجلى فيها أغنى قيم الصدق والإخلاص لله تعالى،
والعبودية المتجردة لربها، كما أنها تمثل أروع المعاني، وأوضح الطموحات التي
ينبغي أن ينشدها الإنسان الرباني لنفسه، ولمن يحب مصوغة في أحلى القوالب
البلاغية، وأعذب الأساليب البيانية، التي تهز الكينونة البشرية من أعماقها،
وهي وحدها مدرسة روحية فذة.
وقد حفلت
بها كتب الحديث والسيرة، وألفت فيها كتب خاصة، قديما وحديثا، لعل أحدثها كتاب
شيخنا الشيخ محمد الغزالي "فن الذكر والدعاء عند خاتم
الأنبياء".
وكان صلى
الله عليه وسلم، برغم تعبده لربه، واشتغاله بذكره، وقيامه الدائم بالدعوة إلى
دينه، والجهاد في سبيله، دائم الخشية له سبحانه، كثير الاستغفار، كثير
التوبة، وهذا من كمال عبوديته، وعظم مقام الألوهية عنده، وفي هذا كان يقول:
"إنه
ليغان على قلبي، وإني لاستغفر الله في اليوم مائة مرة"، "يا أيها الناس توبوا
إلى ربكم، فإني أتوب إلى الله عز وجل في اليوم مائة مرة".
وكان صلى
الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا، وأرضاهم باليسير منها، مع ما فتح الله
له من الفتوح، وأفاء عليه من الغنائم، وبعد أن أصبح سيد الجزيرة.. ولكنه لقي
ربه ولم يشبع من خبر الشعير ثلاثة أيام متوالية، وكان الشهر يمر تلو الشهر
ولا يوقد في بيته نار، إنما عيشه على الأسودين: التمر والماء.. وكان ينام على
الحصير حتى يؤثر في جنبيه.. ورآه عمر بن الخطاب يوما كذلك، فبكى توجعا له
وإشفاقا عليه، واقترح عليه بعضهم أن يهيئوا له فراشا ألين من هذا، فقال لهم:
"ما لي
وللدنيا؟ ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة
ساعة من نهار، ثم راح وتركها"!

الرسول والإنسان
ولكنه صلى
الله عليه وسلم مع هذه الروحانية العالية، في ذكره وشكره وحسن عبادته لربه،
وفي زهادته في دنيا الناس، وعيشه فيها بشعور الغريب، وعابر السبيل!.. لم يغفل
الجوانب الأخرى بما تفرضه من أعباء، وما تمثله من مطالب، لم ينس أنه إنسان
وزوج وأب وجد، وقريب، وجار، وصديق، ورئيس، وقائد.. وأن كل علاقة من هذه لها
حقوقها.
ولهذا
رأيناه إنسانا يرضى كما يرضى البشر، ويغضب كما يغضب البشر، ويفرح كما يفرحون،
ويحزن كما يحزنون.
ولكنه إذا
رضى لم يدخله رضاه في باطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، وإذا فرح لم
يفرح بغير الحق، وإذا حزن لم يخرجه حزنه عن الصبر والرضا، ويشارك أصحابه في
مسراتهم، ولا يخرجه ذلك عن الوقار.
ويضحكه
بعض أصحابه فيضحك، ويمزح أحيانا، ولكن لا يقول إلا حقا، ويأذن للحبشة أن
يرقصوا بحرابهم في مسجده، ويعرف طبيعة الأنصار، فيقول في عرس لأحدهم:
"أما
كان معهم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو" ويسمح لجاريتين أن تغنيا في بيته في يوم
عيد "حتى يعلم اليهود أن في ديننا فسحة، وأنى بعثت بحنيفية
سمحة".

الزوج المثالي
رأيناه
زوجا يحسن عشرة أزواجه، ويعدل بينهن فيما يقدر عليه، ويطيب أنفسهن، ويصالح
بينهن، ويقدر الظروف الخاصة لكل منهن، ويستمع أحيانا إلى قصصهن وإن طالت، كما
في حديث أم زرع المشهور، وبرغم همومه ومشاغله التي تنوء بها الجبال، يداعب
ويمازح، كما رأيناه يسابق عائشة، فتسبقه مرة، ويسبقها مرة، ويسبقها أخرى،
فيقول لها: "هذه بتلك".

الأب والجد
رأيناه
أبا يحب أبناءه وبناته، ويحرص على كل خير لهم في الدنيا والآخرة، مات ابنه
إبراهيم، فحزن عليه، ودمعت عيناه، ولم يجد في ذلك ما ينافي الصبر والرضا، بل
قال: "تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، والله إنا
بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".
وحين أراد
علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يتزوج على فاطمة الزهراء رضي الله عنها،
ابنة أبي جهل لعنه الله، غضب وقال: "إن فاطمة بضعة مني، وأنا
أتخوف أن تفتن في دينها، وإني لست أحرم حلالا، ولا أحل حراما، ولكن والله لا
تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله تحت رجل واحد أبدا".
رأيناه
جدا يلاعب سبطيه: الحسن والحسين، ويوطئ لهما ظهره ليركباه، بأبي هو وأمي،
ويركب أحدهما على ظهره الشريف مرة وهو يصلي فيطيل الصلاة، حتى ظن الصحابة
الظنون، فلما فرغ وسلم، سألوه عن سر إطالة سجوده، فقال: "إن ابني ارتحلني (أي
اتخذني راحلة وركوبة!)، فكرهت أن أعجله". أي أنه لم يشأ أن يقطع على الصبي لذته
في امتطاء ظهر جده.
ويقول عن
الحسن والحسين: "إن ابني هذين ريحانتاي من الدنيا".

راعي حقوق الرحم والجوار
والصداقة
رأيناه
يرعى حق الرحم والقرابة، ولو كان أهلها مشركين، ويقول لقريش:
"إن لكم
رحما أبلها ببلالها"،
وحين تمكن منهم يوم الفتح بعد طول ما جرعوه الصاب والعلقم، قال لهم في تسامح
القوي: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، بل كان يكرم أقارب أبيه من بني النجار، وأقارب أمه من بني زهرة،
مثل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، الذي عرف بأنه خال رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ولم يكن أخا لأمه، ولكن من بني عمومتها.
رأيناه
يرعى حق الجار، وإن ظلم وجار، وإن كان يهوديا من أهل الكتاب، ويقول في ذلك:
"مازال
جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه".
رأيناه
صديقا، يرعى حقوق الصداقة والصحبة، ولهذا غضب حين أغضب بعضهم أبا بكر، فقال:
"اتركوا
لي صاحبي.." وقال:
"لو كنت
متخذا من أمتي خليلا دون ربي، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنه أخي
وصاحبي".
وكان أوفى
الناس لأصحابه، ولكل من تربطه به أو بأهل بيته صلة، حتى كان يكرم بعض
العجائز، ويبش لهن، ويهدي إليهن، فسئل في ذلك، فقال: "إن هذه كانت صديقة
خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان"!.

رئيس الدولة
رأيناه
رئيسا لدولة جديدة، تحيط بها العداوات منكل جانب: وثنية ويهودية ونصرانية،
فلم يشغله هم الجهاد والإعداد لمقاومة أعدائها، عن العناية بالشئون الداخلية
لأهلها، من بناء المسجد للصلاة، إلى إقامة السوق للتجارة.. ومن إقامة
العلاقات السياسية بين الطوائف التي تسكن المدينة وضواحيها، وهي دار الإسلام
في ذلك الوقت، على أساس واضح مكتوب في وثيقة دستورية معروفة، إلى العناية
بأمر هرة حبستها امرأة حتى ماتت جوعا، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من
خشاش الأرض.. ومن لقاء الوفود من أنحاء الجزيرة، وإرسال الرسل إلى ملوك الأرض
المعروفين، إلى الاهتمام بأمر أمة تأخذ بيده، وتمضي في طرقات المدينة، فلا
يدع يده من يدها (توضعا وحياء منه) حتى تقضي حاجتها.

الرسول القائد
رأيناه
قائدا يخطط للمعارك قبل وقوعها، ويبعث الطلائع والعيون لاستطلاع أخبار العدو،
ويقوم بعمل أول إحصاء للقوة الضاربة عنده، حتى يكون تخطيطه على أساس علمي
مكين، ويحث على التدريب واستمراره، فهو دعامة القوة العسكرية:
"ألا إن
القوة الرمي"، "من تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا" ـ أو "فقد
عصى" .. وهو مع قوة
توكله على الله تعالى ـ يلبس للحرب لبوسها، حتى إنه في إحدى المعارك ظاهر بين
درعين، ويعلم أصحابه أن الحرب خدعة، وأن للعوامل النفسية أثرها في كسب
المعارك، فلا بد من العمل على تخذيل الأعداء، وتفريق كلمتهم.
وهو يعتمد
ـ بعد الله تعالى ـ على حسن التخطيط، والتنظيم، والإعداد، و"التكتيك" حتى إنه
ليفاجئ أعداءه بخطط لم يعهدوها، فيربكهم، ويعرف قدرات أصحابه، فيضع كلا في
موضعه المناسب.
ولا غرو
أنه القائد الذي رأينا كبار القواد ـ مثل أبي عبيدة وسعد وخالد وعمرو وغيرهم
ـ تلاميذ بين يديه.

العامل المتوكل
رأيناه
يراعي سنن الله ويأخذ بالأسباب، ويعد العدة، ويتوقى الخطر، ويأمر بأخذ الحذر،
ويعمل بالإحصاء، ويخطط للمستقبل، ويرتب ويفكر قدر ما يستطيع البشر، ولكنه لا
يغفل أبدا عن التوكل على الله تعالى، ولا ينسى أن الأمر كله بيده، وخصوصا
ساعة الشدائد، وحصار الأزمات، فهنا تراه أقوى ما يكون ثقة بالله، واعتصاما
به، وفرارا إليه.
فقد
رأيناه خطط ورتب ونظم كل ما يتعلق بهجرته إلى المدينة، فلما وقف المشركون
الذين يطاردونه على باب الغار الذي يختبئ فيه، قال في ثقة ويقين:
"يا أبا
بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما"؟ (لا تحزن إن الله
معنا).

القائم بعمارة الأرض المستمتع
بطيباتها
ومن ناحية
أخرى نجده ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع إقباله بكليته على الآخرة، وإعراضه عن
الدنيا وزينتها، وتصويره الدنيا بالنسبة للآخرة، كما يجعل الإنسان إصبعه في
اليم: "فلينظر بماذا يرجع؟" ـ لم يعش في الدنيا عيشة الرهبان الرافضين لها،
المعادين لكل ما فيها، بل كان يعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الإنسان
مستخلف فيها، وأن له فيها مستقرا ومتاعا إلى حين، وأن عمارة الأرض من مقاصد
التكليف، وأن هذه العمارة ـ المتمثلة في الزراعة، والغرس، والصناعة،
والاحتراف، والتجارة وغيرها ـ تعتبر عبادة لله، إذا صحت فيها النية، وأديت
على الوجه المطلوب، بلا خيانة ولا غش ولا إهمال، ولهذا أبقى أصحابه ـ عليه
الصلاة والسلام ـ في حرفهم، ولم يخرج واحدا منهم عن حرفته، ليتفرغ للعبادة أو
لغيرها، إنما دعاهم أن يتقربوا إلى الله بإحسان أعمالهم: "إن الله كتب الإحسان على
كل شيء"، "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".
كما أنه ـ
صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يرفض طيبات الدنيا إذا تيسرت له، بل إذا وجدها
تناولها وحمد الله تعالى، وإذا لم يجدها لم يتكلفها، ولم يحزن على
فقدها.
كان يعجبه
من الطعام اللحم، ويعجبه منه لحم الذراع، ويعجبه من الشراب اللبن، ويقول:
"من
سقاه الله لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه"، وكان يستعذب له الماء، ويوضع فيه بعض
التمرات للتخفيف من ملوحته.
وكان يلبس
من الثياب ما تيسر، لا يلتزم زيا أو هيئة معينة، ويختص بعض الحلل للجمعة
وللعيدين، وكذلك للقاء الوفود، وكان يرجل شعره، ويتطيب، ويحب الطيب، وينظر في
المرآة، ويقول: "اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي"، ويوصي أصحابه بالنظافة والتجمل، حتى
يكون أحدهم حسن المظهر، طيب الرائحة، ولا يحب أن يدخل عليه أحدهم ثائر الرأس
كأنه شيطان، ويقول: "من كان له شعر فليكرمه"، ويوصي بنظافة أشياء معينة في الجسم
مثل الأسنان، ولهذا حض على السواك: "السواك مطهرة للفم،
مرضاة للرب"، كما أكد
العناية بالجسم كله: "حق لله على كل مسلم في كل سبعة أيام يوم يغسل فيه
رأسه وجسده"، وضرب
لأصحابه المثل في ذلك كله، وكان نعم الأسوة لهم، وعلمهم أن الدين لا يضيق
بالتجمل، "إن الله جميل يحب الجمال".
رأيناه
يتداوى، ويأمر أصحابه بالتداوي، ويعلمهم أن الله لم ينزل داء إلا أنزل له
دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله، ويصف بعض الأدوية لبعض الأمراض، حسبما
تعمله من البيئة غالبا، ولكنه بجوار هذا استخدم الأدوية الروحية من الرقى
والدعاء، فرقى نفسه وغيره، وعلمهم كيف تكون الرقية، محذرا من الرقى
الشركية.
والواقع
أن سيرته صلى الله عليه وسلم ـ كما أشرنا إلى ذلك ـ سيرة جامعة شاملة،
متوازنة، يجد فيها كل طالب أسوة مكانا للاتساء بها، والاقتداء
بهداها.
فالفقير
يجد فيها مجالا للاقتداء، والاهتداء، يوم كان عليه السلام يشد الحجر على بطنه
من الجوع، والغني يجد فيها قدوته يوم وسع الله عليه، ووضع بين يديه الأموال،
منها ما هو للدولة، وما هو خاص له.
والحاكم
والمحكوم، والمحارب والمسالم، والعزب والمتزوج، وذو الزوجة الواحدة، وذو
الزوجات المتعددات، والأب والجد، والشاب والشيخ، والسليم والسقيم، والمقيم
والمسافر، والمعافى والمبتلى، وغير هؤلاء وهؤلاء، كلهم يجدون في حياته
الخصبة، وفي سيرته الحافلة، وفي سنته الهادية، متسعا لهم، ليقتدوا منها،
ويهتدوا بنورها.. في حالات الرخاء واليسر، وفي حالات الشدة والعسر، في حالات
الانتصار، وفي حال الانكسار.
وعيب كثير
من الفرق والطوائف من أهل الكلام والتصوف والفقه: أنهم يأخذون بجانب من سيرته
أو سنته صلى الله عليه وسلم، ويغفلون جوانب أخرى، أو يضخمون ناحية على حساب
نواح أخرى، ولو تأملوا وأنصفوا، وجمعوا الأمور بعضها إلى بعض، لوجدوا في هديه
عليه الصلاة والسلام الشمول والتوازن، والاعتدال والتكامل، الذي يسع كثيرا
مما يظن أنه متعارض، وما هو بمتعارض، وإنما أراد الله لرسوله أن يكون الأسوة
العليا في كل أمر من الأمور.

كلمة بليغة لابن
القيم
ويسرني أن
أسجل هنا ما ذكره الإمام ابن القيم في كتابه "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين"
حول هذا المعنى الكبير، فأفاض فيه على طريقته، وضرب الأمثلة، وذكر الأدلة،
وأشبع القول بمناسبة احتجاج طائفة بسيرته وسنته عليه الصلاة والسلام على فضل
الفقير الصابر، واحتجاج معارضيهم بهما أيضا على فضل الغني
الشاكر.
يقول ابن
القيم:
"وما
ينبغي أن يعلم أن كل خصلة من خصال الفضل قد أحل الله رسوله صلى الله عليه
وسلم في أعلاها، وخصه بذروه سنامها، فإذا احتجت بحاله فرقة من فرق الأمة التي
تعرف تلك الخصال وتقاسمتها على فضلها على غيرها، أمكن للفرقة الأخرى أن تحتج
به على فضلها أيضا.
فإذا احتج
به الغزاة والمجاهدون على أنهم أفضل الطوائف، احتج به العلماء على مثل ما
احتج به أولئك.
وإذا احتج
به الزهاد والمتخلفون عن الدنيا على فضلهم، احتج به الداخلون في الدنيا
والولاية، وسياسة الرعية، لإقامة دين الله، وتنفيذ أمره.
وإذا احتج
به الفقير الصابر، احتج به الغني الشاكر.
وإذا احتج
به أهل العبادة على فضل نوافل العبادة وترجيحها، احتج به العارفون على فضل
المعرفة.
وإذا احتج
به أرباب التواضع والحلم، احتج به أرباب العز والقهر للمبطلين والغلظة عليه
والبطش بهم.
وإذا احتج
به أرباب الوقار والهيبة والرزانة، احتج به أرباب الخلق الحسن والمزاح المباح
الذي لا يخرج عن الحق، وحسن العشرة للأهل والأصحاب.
وإذا احتج
به أصحاب الصدع بالحق والقول به في المشهد والمغيب، احتج به أصحاب المداراة
والحياء والكرم أن يبادروا الرجل بما يكرهه في وجهه.
وإذا احتج
به المتورعون على الورع المحمود، احتج به الميسرون المسهلون الذين لا يخرجون
عن سعة شريعته ويسرها وسهولتها.
وإذا احتج
به من صرف عنايته إلى إصلاح دينه وقلبه، احتج به من راعى إصلاح بدنه ومعيشته
ودنياه، فإنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعث لصلاح الدنيا
والدين.
وإذا احتج
به من لم يعلق قلبه بالأسباب ولا ركن إليها، احتج به من قام بالأسباب ووضعها
مواضعها وأعطاها حقها.
وإذا احتج
به من جاع وصبر على الجوع، احتج به من شبع وشكر ربه على
الشبع.
وإذا احتج
به من أخذ بالعفو والصفح والاحتمال، احتج به من انتقم في مواضع
الانتقام.
وإذا احتج
به من أعطى لله ووالي الله، احتج به من منع لله وعادى لله.
وإذا احتج
به من لم يدخر شيئا لغد، احتج به من يدخر لأهله قوت سنة.
وإذا احتج
به من يأكل الخشن من القوت والأدم كخبز الشعير والخل، احتج به من يأكل اللذيذ
الطيب كالشوي والحلوى والفاكهة والبطيخ ونحوه.
وإذا احتج
به من سرد الصوم، احتج به من سرد الفطر، فكان يصوم حتى يقال لا يفطر، ويفطر
حتى يقال لا يصوم.
وإذا احتج
به من رغب عن الطيبات والمشتهيات، احتج به من أحب أطيب ما في الدنيا، وهو
النساء والطيب.
وإذا احتج
به من ألان جانبه وخفض جناحه لنسائه، احتج به من أدبهن وآلمهن وطلق وهجر
وخيرهن.
وإذا احتج
به من ترك مباشرة أسباب المعيشة بنفسه، احتج به من باشرها بنفسه فآجر
واستأجر، وباع واشترى، واستسلف وأدان ورهن.
وإذا احتج
به من يجتنب النساء بالكلية في الحيض والصيام، احتج به من يباشر امرأته وهي
حائض بغير الوطء، ومن يقبل امرأته وهو صائم.
وإذا احتج
به من رحم أهل المعاصي بالقدر، احتج به من أقام عليهم حدود الله فقطع السارق
ورجم الزاني وجلد الشارب.
وإذا احتج
به من أرباب الحكم بالظاهر، احتج به من أرباب السياسة العادلة المبنية على
القرائن الظاهرة، فإنه حبس في تهمة وعاقب في تهمة".
إلى أن
قال: "والمقصود بهذا الفصل: أنه ليس الفقراء والصابرون، بأحق به ـ صلى الله
عليه وسلم ـ من الأغنياء الشاكرين، وأحق الناس به أعلمهم بسنته، وأتبعهم
لها".