|

كتاب
"الحياة الربانية والعلم" للشيخ القرضاوي
المقدمة
من الدستور
الإلهي
(اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم،
الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم)
(أمن هو قانت آناء الليل وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، قل هل
يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكر أولوا
الألباب)
(فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا
قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)
(وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له
قلوبهم، وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم)
بين يدي
الموضوع
الحمد لله
الذين بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تتنزل الخيرات، وبتوفيقه تتحقق الغايات،
الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على
البشير النذير، والسراج المنير، سيدنا وإمامنا، وأسوتنا وحبيبنا محمد، وعلى
آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما
بعد..
فقد تعرفت
على التصوف مبكرا عن طريق كتبه، وعن طريق أحد أعلامه، وهو الإمام أبو حامد
الغزالي الذي اعتبره شيخي الأول رضي الله عنه.
كنت في
الخامسة عشر من عمري، بعد أن أنهيت السنة الأولى من القسم الابتدائي بمعهد
طنطا، وكان عندي نهم للقراءة في غير المقررات الرسمية من كتب
الأزهر.
وكانت
قراءتي في طنطا ـ خارج الدراسة ـ في كتب الأدب، وخصوصا أدب المنفلوطي في
نظراته، وعبراته، ورواياته، التي كان جيلنا يبدأ بها قراءته وتكوينه الأدبي،
ولهذا كنت تجد البطاقات الخاصة بالمنفلوطي في دار الكتب بطنطا، شبه بالية،
لكثرة تقليبها في الأيدي.
أما
قراءتي في قريتي ـ صفط تراب ـ فلم يكن فيها دار كتب، ولم تكن كتب الأدب مما
يتيسر وجوده في مثل تلك القرى، وفي ذلك العصر، لهذا حين أردت أن اقرأ وجدت
كتب التصوف هي المتاحة لي.
اتصالي بالإمام الغزالي
مبكرا
شاء القدر
أن يهيئ لي كتابين كلاهما للغزالي: أحدهما: وجدته بين كتب زوج خالتي وكان
رجلا صالحا حافظا لكتاب الله، يعيش في خدمة بيت الله، قلما يخالط الناس، رحمه
الله. هذا الكتاب هو "منهج العابدين" الذي صنفه الغزالي قبل وفاته
بقليل.
وقد وجدت
متعة كبيرة في قراءة هذا الكتاب، واستعنت به في دروسي ووعظي في تلك المرحلة،
وإن كان لي عليه مآخذ وملاحظات، وخصوصا في باب التوكل والزهد، وما فيه من
توجهات حكايات تتسم بالمبالغة والإفراط.
والثاني:
"إحياء علوم الدين" فقد كان يقتنيه جار لنا، من نبهاء أهل القرى، الذين كان
لهم حظ في الاطلاع على بعض كتب الشافعية في العبادات، وخصوصا في الطهارة
والصلاة، ولهم مجالسة للمشايخ والعلماء، وكان تلميذا لأحد مشايخ الطريق في
بلدتنا، وهو الشيخ محمد أبو شادي، الذي كان خليليا، ثم استقل بطريقة قوامها:
العبادة والذكر، ثم قراءة "الإحياء" وشعارها الذي يحفظه مريدوها: من جالسنا
فلا يذكر إلا الله وحده، فإن كان ولابد من ذكر غيره، فليذكر الآخرة، وليذكر
الصالحين! (اعتبروا ذكر الآخرة مغايرا لذكر الله، وهو غير صحيح، لأن ذكر
الآخرة يعني: ذكر لقاء الله وحسابه وجزائه).
وقد شهدت
بعض "حضراتهم" ولم أستمر معهم، إذ لم يشبعوا كل نهمي، ولم يوافقوا مزاجي
الوسطي.
فهذا ما
جعل جارنا الشيخ بيومي رحمه الله يحرص على اقتناء كتاب "الإحياء" الذي أمسى
غذاءنا وفاكهتنا عصر كل يوم في إجازات الصيف، وخصوصا: ربع "المهلكات" وربع
"المنجيات" منه. مع تحفظي شخصيا على بعض ما فيه من غلو، لم يكن ملائما
لطبيعتي، ولكني كنت أتأثر بما فيه من رقائق، وترتعش جوانحي، ويترقرق دمعي،
وهذا من دلائل إخلاص الغزالي رحمه الله.
ولما رآني
الشيخ بيومي حريصا على الكتاب، تركه لي هدية، وقد بقي عندي، حتى أني اصطحبته
معي إلى المعتقل سنة 1949م، هو وبعض أجزاء من "العقد الفريد" لابن عبد ربه في
الأدب.
وفي
المرحلة الثانوية تعرفت على بعض كتب التصوف الأخرى مثل: شرح ابن عجيبة لحكم
ابن عطاء الله السكندري، وبعض كتب الشيخ عبد الوهاب الشعراني،
وغيرها.
اتصالي بدعوة الأخوان وتوجهاتها
الربانية
وفي تلك
المرحلة توثق اتصالي بدعوة الإخوان المسلمين، وهي دعوة ربانية الأساس
والوجهة، وقد كان مؤسسها ـ الإمام حسن البنا ـ رجلا ربانيا، بدأ صوفي النشأة،
ثم تحرر من قيود الشكلية الصوفية، مبقيا على جوهرها. وهو سمو الروح، وطهارة
القلب، ومحاسبة النفس، وصدق الصلة بالله تبارك وتعالى، وسلامة الصدر من
الأحقاد، والحب في الله، والبغض في الله.
وقد تجلى
ذلك في شعارات الجماعة مثل: "الله غايتنا، والرسول قدوتنا"، كما تجلى ذلك في
مناهج تربيتها، ومظاهر نشاطها، حتى قال الشيخ البنا: إن دعوتنا دعوة سلفية،
وحقيقة صوفية، وطريقة سنية، وهيئة سياسية..الخ.
وكانت
وسائل الإخوان في التربية والتوجيه تؤكد هذا الجانب وتعمقه، مثل: الأسرة،
والكتيبة، والمخيم.. وتركيزها على الذكر والبساطة والتلاوة للقرآن والمأثورات
من الأدعية، وحب الخير للناس.
أثر أستاذنا البهي
الخولي
وزاد هذا
الجانب تعميقا في فكري ونفسي: اتصالي بأستاذنا البهي الخولي رحمه الله، وهو
رجل ذواقة للمعاني الربانية، عميق الحاسة الروحية، وقد كان يرأس الإخوان في
الغربية، وكانت له محاضراته ودروسه التي يظهر فيها الجانب الرباني، والتي
تجسمت بوضوح في كتابه "تذكرة الدعاة" الذي قدم له الشهيد
البنا.
وكان
للأستاذ البهي لقاءات خاصة مع مجموعة من الشباب، اصطفاهم ـ كنت واحدا منهم ـ
نصلي الفجر معا كل أسبوع، ونذكر الله عز وجل، ونعيش في جو روحي محلق، وقد
أطلق على هذه المجموعة اسم "كتيبة الذبيح"، يعني بالذبيح: إسماعيل عليه
السلام، الذي أسلم عنقه طاعة لله دون تلكؤ ولا تردد (قال يا أبت افعل ما
تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين)
الشيخان: الأودن وعبد الحليم
محمود
وفي
دراستي العالية بكلية أصول الدين لقيت بها بعض شيوخنا الربانيين، الذين عمقوا
في هذا الجانب الروحي أو الرباني، أبرزهم اثنان: الأول هو شيخنا محمد الأودن
أستاذ الحديث، والثاني: هو شيخنا عبد الحليم محمود أستاذ الفلسفة، الأول
أزهري معمم، والثاني أزهري متخرج من فرنسا، يلبس ـ حينذاك ـ "البذلة" ولا
يلبس العمامة، وكان لكل شيخ منهما طريقته وتأثيره. الأول يؤثر بقوة كلامه
وتدفقه، والثاني يؤثر بصمته وتعمقه.
الأول
محرض ضد الباطل، فهو أقرب إلى الروح الثورية، والثاني داعية إلى الزهد
والإقبال على الله. وكان الأول بروحه وقوة منطقه، وسخائه في بيته، وتواضع
مظهره أقرب إلى نفسي وإلى طبيعتي، وإن كنت أحب الشيخ عبد الحليم وأقدره. وقد
درسني الفلسفة في السنة الثالثة والسنة الرابعة من الكلية، على حين لم يدرسني
الشيخ الأودن، وإنما كانت زيارتي له في بيته بضاحية الزيتون.
كل هذا
قوى المعاني الربانية في نفسي، وزادها عمقا في كياني، ولم تكن عائقا عن عملي
في "الدعوة" الذي شغل جهدي ووقتي، بل كان دافعا ومعينا.
ولقد
اتسعت دراستي للتصوف في تلك الفترة، كما اتصلت اتصالا أعمق، بـ "المدرسة
السلفية" وإماميها المجددين: ابن تيمية وابن القيم، وقد أعجبت بالنظرة
الشمولية التجديدية المتوازنة في هذه المدرسة، ومقاومتها لما دخل على الإسلام
من تحريفات وانحرافات في الفكر أو في السلوك، ووجدت في إنتاج هذه المدرسة ما
قوى عندي التوجه الرباني بضوابطه الشرعية.
وهكذا كان
التصوف عندي فكرا وروحا وخلقا، لا عهدا على شيخ، ولا التزاما بطريقة من الطرق
الصوفية المعروفة، فقد أغنتني دعوة الإخوان عن أي طريقة، وأغناني إمامها
وأصحابه عن البحث عن شيخ رسمي من مشايخ الطريق.
كما صرفني
عن الطرق ما دخل عليها من خلل واضطراب في الفكر، وفي السلوك، وكذلك فقد أهل
الصدق والإخلاص في صفوف قوادها، إلا من رحم ربك، وغلبة الاتجار بالاسم والزي
واللقب على الكثيرين.
ولا غرو
أن يلمس المراقب المنصف في جنبات كثير من التصوف المعاصر: الشركيات في
العقيدة، والبدع في العبادة، والسلبية في الأخلاق، والشكلية في الذكر،
والتسيب في الفكر.
ومع هذا
لم أتخذ موقفا عدائيا من التصوف كله، بل ظللت أنتفع به، وأقتبس منه، في
محاضراتي وخطبي، وفي مؤلفاتي وكتبي.
مواقف عملية
معبرة
وفي
"ملتقى الفكر الإسلامي" الذي عقد في الجزائر سنة 1987م ـ على ما أذكر ـ كان
موضوعه "الإسلام والحياة الروحية" وطلب إلي منظمو الملتقى أن أفتتحه بمحاضرة
أساسية عن "منهج القرآن والسنة في إقامة الحياة الروحية".
وألقيت
هذه المحاضرة، وكانت مرتجلة، ولكنها معدة إعدادا طيبا، موثقا بالأدلة الناصعة
من الكتاب وصحيح السنة، مستأنسا بأقوال ربانيي الأمة، ولا سيما كبار شيوخ
الصوفية المشهود لهم بالاستقامة والفضل. ولقد لاحظت أن المحاضرة شدت جمهور
الحاضرين، وكان لها تأثير بالغ على نفوسهم، حتى قام صديقنا الدكتور سعيد
رمضان البوطي، وقال: لقد ظهر لنا أن الشيخ القرضاوي صوفي مقنع! يريد أن يخفي
صوفيته بقناع العقلانية والسلفية!
وقال لي
صوفي جزائري كبير معروف، ونحن على مائدة الغداء: لقد منحك الله شيئا، به
يتميز كلامك عن غيره، قلت: وما هو؟ قال: اللوعة! قلت: ماذا تعني؟ قال: في
كلامك حرقة غير مصطنعة، تؤثر في سامعيك وهي هبة ربانية، يختص الله بها من
يشاء من عباده.
وأذكر أني
في جلساتنا مع شيخنا البهي الخولي رحمه الله، كنت أنقد بعض كلمات الصوفية
وبعض موافقهم، فكان يحسبني متمردا على التصوف كله، فلما أخرجت كتابي "العبادة
في الإسلام" وكتابي "الإيمان والحياة" قال لي: إنك تحمل قلب صوفي خدعنا عنه
عقل الفقيه!
وفي
زيارتي لندوة العلماء ودار العلوم بمدينة لكنهو بالهند، في أوائل الثمانينات،
ألقيت عددا من المحاضرات في موضوعات فكرية متعددة كان لها وقعها وأثرها، ولكن
أهم ما لفت نظري قول الإخوة من علماء الندوة وأساتذة الدار: إننا اكتشفنا أنك
من رجال التربية الروحية!
ويبدو أن
الجميع يعتقدون أن سلفية الداعية، وعقلانية المفكر، تتعارضان مع النزعة
الربانية أو الروحية، وهذا في رأيي غير صحيح، فقد كان ابن تيمية وابن القيم
سلفيين وهما ربانيان، وكان الغزالي عقلانيا، وهو رباني. فلا تناقض بين هذه
الأمور إذا فهمت على وجهها السليم، ووضع كل منها في موضعه الصحيح، وإن كان
بيني وبين هؤلاء الربانيين مراحل ومراحل.. وأسأل الله العفو
والمغفرة.
موقفي النظري من
التصوف
وقد بينت
موقفي من التصوف في الجزء الأول من كتابي "فتاوى معاصرة" في فتويين من
فتاواه، وهو موقف يتميز بالإنصاف، والاعتدال في تقويم التصوف، فلست مع
المفرطين في مدحه، ولا من المبالغين في قدحه.
فأحمد
الله أن هداني إلى الموقف الوسط، الذي لا يطغى في الميزان ولا يخسر الميزان،
كما علمنا الله تعالى في كتابه: (والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان،
وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان). فالعدل بين الطغيان والإخسار، بين
الإفراط والتفريط، فقد ذكرت ما للتصوف وما عليه، ولا ينكر أحد أثر التصوف
والمتصوفة في الحياة الإسلامية، فكم أسلم على أيديهم من كافر، وكم تاب على
أيديهم من عاص، وكم رققوا من القلوب، وزكوا من النفوس، وهذبوا من الأخلاق،
فلنذكر هذا لهم، بجوار ما نذكر من سقطات وشطحات، والمتقدمون فيهم ـ بصفة عامة
ـ أفضل من المتأخرين.
فتوى ابن تيمية عن التصوف
والصوفية
ولقد وجدت
شيخ الإسلام ابن تيمية ـ مع صرامته في الالتزام بمنهج السلف، وشدته في مقاومة
البدع ـ يقف من التصوف والصوفية هذا الموقف الوسط العدل، وهذا من إنصافه وسعة
علمه، ورحابة أفقه، رضي الله عنه.
وقد نقلت
عنه في فتواه الثانية عن التصوف قوله بعد أن سئل عن الصوفية، فكان جوابه الذي
ذكره في رسالته عن "الفقراء" وهو أعدل ما قيل في القوم، قال رحمه
الله:
"تنازع
الناس في طريقهم: فطائفة ذمت "الصوفية والتصوف: وقالوا: إنهم مبتدعون خارجون
عن السنة، ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف، وتبعهم على
ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام.
وطائفة
غلت فيهم، وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء.. وكلا طرفي هذه
الأمور ذميم.
والصواب:
أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله. ففيهم
"السابق" المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم "المقتصد" الذي هو من أهل اليمين، وفي
كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا
يتوب.
ومن
المنتسبين إليهم من هو "ظالم نفسه"، عاص لربه.
وقد انتسب
إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة، ولكن عند المحققين، من أهل التصوف ليسوا
منهم، كالحلاج مثلا، فإن أكثر مشايخ الطريق أنكروه، وأخرجوه عن الطريق، مثل
الجنيد سيد الطائفة وغيره".. والله أعلم.
تقويم ابن القيم
للصوفية
وكذلك
أنصف الصوفية الإمام ابن القيم، كما تجلى ذلك في شرحه الواسع العميق المتوازن
لرسالة العلامة الهروي "منازل السائرين" وقد كان ابن القيم يعظم الهروي
ويقدره، لأنه كان حنبليا، وتوجهه في فهم العقيدة وبيانها توجه سلفي، ولا عجب
أن يطلق عليه لقب "شيخ الإسلام"، ولهذا حاول أن يشرح كلامه شرحا يقربه إلى
منهج الكتاب والسنة، وهدى سلف الأمة، ويحمله على أفضل الوجوه الممكنة، ومع
هذا لم يملك في كثير من الأحيان إلا أن ينكر عليه، فالحق أحق أن يتبع،
والرجال يعرفون بالحق، وليس الحق يعرف بالرجال.
ومن أوضح
ما تبين فيه ذلك التوجه المنصف المعتدل قوله في شرح ما ذكره الهروي عن منزلة
"الرجاء" وما جاء فيه من شطحات وتجاوزات:
"شيخ
الإسلام حبيب إلينا، ولكن الحق أحب إلينا منه! وكل من عدا المعصوم ـ صلى الله
عليه وسلم ـ فمأخوذ من قوله ومتروك".
وبعد
محاولة من ابن القيم لحمل كلام الهروي على أحسن المحامل قال:
"هذا
ونحوه من الشطحات التي ترجى مغفرتها بكثرة الحسنات، ويستغرقها كمال الصدق،
وصحة المعاملة، وقوة الإخلاص، وتجريد التوحيد، ولم تضمن العصمة لبشر بعد رسول
الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه
الشطحات أوجبت قتنة على طائفتين من الناس، إحداهما: حجبت بها عن محاسن هذه
الطائفة، ولطف نفوسهم، وصدق معاملتهم، فأهدروها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها
غاية الإنكار، وأساءوا الظن بهم مطلقا وهذا عدوان وإسراف، فلو كان كل من أخطأ
أو غلط ترك جملة، وأهدرت محاسنه، لفسدت العلوم والصناعات، والحكم، وتعطلت
معالمها.
والطائفة
الثانية: حجبوا بما رأوه من محاسن القوم، وصفاء قلوبهم، وصحة عزائمهم، وحسن
معاملاتهم عن رؤية عيوب شطحاتهم، ونقصانها، فسحبوا عليها ذيل المحاسن. وأجروا
عليها حكم القبول والانتصار لها، واستظهروا بها في سلوكهم.
وهؤلاء
أيضا معتدون مفرطون.
والطائفة
الثالثة: ـ وهم أهل العدل والإنصاف ـ الذين أعطوا كل ذي حق حقه، وأنزلوا كل
ذي منزلة منزلته، فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا للمعلول السقيم
بحكم الصحيح، بل قبلوا ما يقبل، وردوا ما يرد.
وهذه
الشطحات ونحوها هي التي تحذر منها سادات القوم، وذموا عاقبتها. وتبرءوا منها،
حتى ذكر أبو القاسم القشيري في رسالته: أن أبا سليمان الداراني رؤى بعد موته،
فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي. وما كان شيء أضر علي من إشارات
القوم.
وقال أبو
القاسم: سمعت أبا سعيد الشحام يقول: رأيت أبا سهل الصعلوكي في المنام، فقلت
له: أيها الشيخ، فقال: دع التشييخ، فقلت: وتلك الأحوال؟ فقال: لم تغن عنا
شيئا، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بمسائل كانت تسأل عنها
العجائز.
وذكر عن
الجريري: أنه رأى الجنيد في المنام بعد موته، فقال: كيف حالك يا أبا القاسم؟
فقال: طاحت تلك الإشارات، وفنيت تلك العبارات، وما نفعنا إلا تسبيحات كنا
نقولها بالغدوات.
التصوف باعتباره تراثا
تربويا
هذا
والتصوف باعتباره تراثا في التربية الأخلاقية والسلوك الإيماني، لا يمكن
الاستغناء عنه، كما لا يمكن الاستغناء عن تراث الفقه في معرفة الأحكام
الظاهرة.
ولهذا ظل
في نفسي خاطر يراودني من زمن، وهو الكتابة في هذا الجانب الروحي، أو الرباني،
أو الإيماني، أو الأخلاقي، الذي سماه العلامة أبو الحسن الندوي "ربانية لا
رهبانية"، كتابة تستمد من القرآن والسنة، وتستفيد من سلف الأمة، ومن تراث
القوم الرحب، وتزنه بميزان الشريعة المعصومة، وتصله بقيم الإسلام الشامل
المتوازن، وتترجمه إلى لغة العصر، بحيث يفهمه طالبوه، ويتعاملون معه
بيسر.
ما ثبطني عن الكتابة في
السلوك
بيد أنه
كان مما يثبطني عن ذلك: ما أعلمه عن نفسي من تفريط في جنب الله تعالى، وتقصير
في طاعته سبحانه، وأن جناحي مهيض عن الطيران في هذه الأجواء العليا، فكيف
ألقي بنفسي في بحر خضم لا أحسن السباحة فيه، ولا الغوص في
أعماقه؟
وإذا كان
لي فضل هنا ـ والفضل لله وحده ـ فهو أني أعرف نفسي جيدا، ولا تستطيع بمكرها
أن تخدعني عن سبر غورها، وكشف زيفها، ولم يغرني عن استبانة حقيقتها مدح الناس
لي، وثناؤهم على شخصي، وذلك لأن الخلق يتعاملون مع الظواهر لا مع السرائر، مع
القشور لا مع اللباب، مع السطوح لا مع الأعماق.
وأنا
أتمثل دائما بقول ابن عطاء الله في حكمه: "الناس يمدحونك بما يظنونه فيك، فكن
أنت ذاما لنفسك لما تعلمه منها.. أجهل الناس من يترك يقين ما عنده لظن ما عند
الناس"!
وكم أخجل
من نفسي ـ والله ـ حين يضفون علي من الأوصاف ما لست أهلا له، وهذا من جميل
ستر الله على عباده، وما أجمل ما قاله أبو العتاهية:
أحسن الله بنا أن الخطايا لا تفوح
فإذا المستور منا بين جنبيه فضوح
وفي هذا
قال ابن عطاء أيضا:
"المؤمن
إذا مدح استحيا من الله أن يثنى عليه بوصف لا يشهده من نفسه! إذا أطلق الثناء
عليك ولست له بأهل، فاثن عليه ـ تعالى ـ بما هو أهله! من أكرمك فإنما أكرم
فيك جميل ستره، فالحمد لمن سترك، ليس الحمد لمن أكرمك وشكرك"!
وكثيرا ما
كنت أتمثل ـ عندما يمدحني مادح أحسن بي ظنه ـ بقول الشاعر الصالح يناجي
ربه:
|
ولكنني عبد ظلوم كما تدري! |
يظنون بي خيرا وما بي من خير |
|
وألبستني ثوبا جميلا من الستر |
سترت عيوبي كلها عن عيونهم |
|
يحب، ولكن شبهوني بالغير! |
فصاروا يحبوني، وما أنا
بالذي |
|
وكن لي يا مولاي في موقف الحشر |
فلا تفضحني في القيامة
بينهم |
كان حيائي
من ربي، ثم من نفسي وتقصيري، حائلا بيني وبين الدخول في علم السلوك، رغم طلب
عدد من إخواني وتلاميذي أن أكتب في ذلك للناس شيئا، لعل الله ينفع
به.
ثم قوى
عزمي على ذلك قوة رجائي في رحمة الله تعالى ومغفرته وإحسانه، وأني إن لم أكن
أهلا أن أنال رحمته، فرحمته أهل أن تنالني، وقد قرأت في الصحيح:
أن رجلا
جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال له: "وما أعددت لها؟"
قال: والله ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله
ورسوله! قال: "أنت مع من أحببت".
فما فرح
الصحابة بشيء فرحهم بهذا الحديث، ليقينهم بأنهم يحبون الله
ورسوله.
وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يحب القوم، ولما يلحق بهم!
قال: "المرء مع من أحب".
بل صح أن رجلا جئ به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرات كثيرة
في شرب الخمر، وهو يضرب، ثم يعود، حتى قال بعض الصحابة، ما أكثر ما يؤتى به،
لعنة الله! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تلعنه، فإنه يحب الله
ورسوله".
وأنا أرجو
أن أكون ممن يحب الله ورسوله، ويحب الصالحين من عباده، وإن لم يكن منهم: كما
قال القائل:
|
عساني أن أنال بهم شفاعة! |
أحب الصالحين ولست منهم |
|
وإن كنا سواء في البضاعة! |
وأكره من بضاعته
المعاصي |
حاجة الناس إلى الحياة
الربانية والتربية الإيمانية
لقد تبين
لي من خلال التجربة العملية، والممارسة الميدانية، مع عوام الناس ومع
مثقفيهم، مع الغافلين منهم، ومع العاملين في الجماعات الإسلامية المختلفة، أن
الجميع أفقر ما يكونون إلى تربية إيمانية صادقة، تغسل قلوبهم من حب الدنيا،
ومن حب أنفسهم، وتأخذ بأيديهم إلى الله تبارك وتعالى، وتحررهم من العبودية
للأشياء وللأهواء وللأوهام، ليعتصموا بالعبودية لله وحده، وبذلك يطهرون
عقولهم من الشرك، وقلوبهم من النفاق، وألسنتهم من الكذب، وأعينهم من الخيانة،
وأقوالهم من اللغو، وعباداتهم من الرياء، ومعاملاتهم من الغش، وحياتهم من
التناقض.
وبعبارة
أخرى: هم في حاجة إلى "التزكية" للنفوس، التي لا فلاح بغيرها، كما
قال
تعالى: (لقد من
الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسول من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم
ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)
ولقد قام
النبي صلى الله عليه وسلم بمهمته خير قيام، وربى أفضل جيل عرفته البشرية:
إيمانا وتعبدا، وخلقا وبذلا، وجهادا في سبيل الله، وكان هذا الجيل النموذجي
معلما للبشرية كلها من بعد.
والناس
أحوج ما يكونون إلى التأسي بهذا الجيل الرباني، والتخلق بأخلاقه التي وصفها
الله في آخر سورة الفتح، وتحقيق "شعب الإيمان" السبعة والسبعين في حياتهم حتى
يرضى الله عنهم، وحتى يصلوا إلى درجة "الإحسان" الذي عرفه الرسول الكريم
بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه
يراك" كما جاء في حديث
جبريل المشهور.
إنهم في
حاجة إلى معرفة عيوب النفس، وأمراض القلوب، ومجامع الهوى، ومداخل الشيطان،
وكيف يتقيها المسلم ما استطاع، فالوقاية أسلم، وكيف يعالجها إذا سقط فيها،
فما جعل الله داء إلا جعل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من
جهله.
ولكن
الخطر هو اهتمام الناس بأمراض أبدانهم، وغفلتهم عن أمراض قلوبهم، وإذا تنبهوا
لها، فأين يجدون أطباء القلوب؟ والمفروض أنهم العلماء، بيد أن العلماء أنفسهم
باتوا من جملة المرضى، فلا حول ولا قوة إلا بالله!
وقد قال
الشاعر:
|
فكيف بالملح إن حلت به الغير؟! |
بالملح يصلح ما يخشى
تغيره |
لكن الخير
لن ينقطع عن هذه الأمة، ولا تخلو الأرض من قائم لله بالحجة.
إن الحياة
المادية المعاصرة: رحى طحون، والناس هم الحب المحصور بين حجريها الكبيرين،
تطحنهم طحنا، ثم بعد ذلك يعجنون ويخبزون، ولا تنضجهم إلا
النار!
ولا سبيل
أمام البشرية عامة، والمسلمين خاصة، إلا بالحياة الربانية.
إنهم في
حاجة إلى "ربانية نقية" ترفعهم من حضيض عباد الشيطان، إلى ذرا عباد الرحمن،
وتنقلهم من تعاسة عبودية الدينار والدرهم، وعبودية الدنيا، إلى سعادة التحرر
منها، وعز طالب الآخرة. إنهم في حاجة إلى "الصدق مع الحق، والخلق مع الخلق"،
وهذا ملخص التصوف، أو هو تقوى الله والإحسان إلى خلقه، وهذا هو الدين كله،
وإليه الإشارة بقوله تعالى في ختام سورة
النحل: (إن
الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).
نريدها
"ربانية نقية" واضحة الغاية، بينة الطريق، مستقيمة على أمر الله، متبعة لسنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماضية على نهج السلف، بعيدة عن بدع القول
والعمل، وانحراف الاعتقاد والسلوك، تسمو بالروح، وتزكي النفس، وتحيي الضمير،
تجدد الإيمان، وتصلح العمل، وترقى بالأخلاق، وتنمي حقيقة
الإنسان!
لا نريدها
دروشة منحرفة، ولا رهبانية مغالية، ولا مظهرية زائفة، ولا نظريات فلسفية
بعيدة عن روح الإسلام، ووسطية الإسلام.
موقف بعض السلفيين من
التصوف
وأود أن
أنبه هنا: أن بعض الإخوة السلفيين يغالون في الموقف من التصوف، ويعتبرونه كله
شيئا دخيلا على الإسلام، ويتهمون أهله كلهم بالابتداع والانحراف، كما يتضح
ذلك من تعليقات العلامة الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله، على كتاب "معارج
السالكين" لابن القيم، ومثله كثير من أتباع المدرسة السلفية، الذين أرسلوا
أقلامهم وألسنتهم شواظا من نار على التصوف كله، وعلى أتباعه جميعا، قديما
وحديثا، وهذه مبالغة غير صحيحة، وغير مقبولة، وغير نافعة.
ابن تيمية وابن القيم رجلان
ربانيان
ومن
العجيب أن هؤلاء ينتمون إلى مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن
القيم، وهما من الربانيين الصادقين نظريا وعمليا.
نظريا..
كما تدل على ذلك كتاباتهما، فابن تيمية له رسائل في التصوف والسلوك بلغت
مجلدين من مجموع فتاويه، بالإضافة إلى كتابه "الاستقامة" الذي صدر في جزأين
بتحقيق الدكتور رشاد سالم رحمه الله.
وابن
القيم له مجموعة كبيرة من المؤلفات، مثل: الجواب الكافي، وطريق الهجرتين،
وعدة الصابرين، وروضة المحبين، وأعظمها وأوسعها من غير شك: مدارج السالكين
شرح منازل السائرين إلى مقامات (إياك نعبد وإياك نستعين).
وعمليا..
كما دلت على ذلك سيرة الرجلين، وصلابتهما في الحق، وصبرهما على الأذى،
وجهادهما في سبيل الله، وحبهما لله ورسوله، وإقبالهما على الله تعالى، إقبالا
يشهد به كل من عرفهما واقترب منهما، رضي الله عنهما.
حسبك من
ابن تيمية أنه تقبل المحن والسجن في سبيل الله، بنفس راضية، وقلب مطمئن،
قائلا: "إن جنتي في صدري، حيثما ذهبت فهي معي، ماذا يصنع أعدائي بي؟ إن
سجنوني فسجني خلوة! وإن نفوني فنفيي هجرة! وإن قتلوني فقتلي
شهادة!".
وحين أدخل
القلعة ليسجن، ورأى سورها، ذكر قول الله تعالى: (فضرب بينهم بسور له باب
باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب).
إنها
الربانية التي تستعذب العذاب في سبيل الله، وتعيش في جنة الرضا مهما أصابها
في ذات الله.
ومن إنصاف
ابن تيمية: أنه أثنى على كثير من مشايخ الصوفية، ومنهم الشيخ عبد القادر
الجيلاني، الذي نقل عنه بعض كلماته في "القدر" ونوه بها، وكذلك ابن
القيم.
وهذا ما
ينقص كثيرا ممن يدعون الانتساب إلى مدرسته، ولا تجد لأحدهم عينا تدمع، ولا
قلبا يخشع، ولا جسدا يرتعش، من خشية الله تعالى، ولا تحس لديهم تلك العاطفة
الندية الدافقة بحب الله تعالى ورسوله.
ولكنه
الاتباع الآلي الجاف الصارم، كأنما هو ترس في ماكينة، يدار فيدور، ولا روح
له، ولا حياة فيه!
وفي مقابل
هؤلاء صنف يتمتع بالعاطفة الحارة، والوجدان الحق، والروح الفياض بالحب
والخشية، ولكنه غير منضبط بضوابط الشرع، يحكمه ذوقه ووجدانه، أو ذوق مشايخه
ووجدانهم، وهؤلاء هم أكثر المتصوفة، أعني المخلصين منهم.
وكلا
الصنفين أفرط في ناحية وفرط في أخرى، والخير كل الخير في الوسطية المتميزة عن
طرفي الإفراط والتفريط.
تصويف السلفية، وتسليف
المتصوفة
لهذا كان
من الخير أن نطعم كل واحد من الصنفين أو الطرفين بالمزايا التي عند الطرف
الآخر، وهو ما عبر عنه المفكر المسلم الأستاذ محمد المبارك رحمه الله بقوله:
نسلف الصوفية، ونصوف السلفيةّ!
وبهذا
التطعيم ينشأ صنف جامع لمزايا الفئتين، منزه عن عيوب كل
منهما.
وأحسب أن
هذا ما حاوله الإمام حسن البنا الذي كان يجمع ـ في رأيي ـ عقلية السلفي
الملتزم، وروحانية المتصوف المحلق.
وهذا ما
أحاول أن أصل إليه بإصدار هذه السلسلة التي أدعو الله أن يوفقني فيها، لأبين
فيها لسالكي الطريق إلى الله تعالى: ما ينبغي علمه وعمله، حتى يجوزوا عقباته،
ويقطعوا مراحله، ويتخطوا عوائقه، بيقين أهل المعرفة، وعزيمة أهل الصبر، ونية
أهل الإخلاص، وجهاد أهل الصدق، وثبات أهل الإيمان، وإحسان أهل
المحبة.
منهجنا في هذه
الدراسة
وسأجتهد
في هذه الدراسة: أن نرد التصوف إلى جذوره الإسلامية، مستمدين من محكمات
القرآن الكريم وصحيح السنة المطهرة، وأن أنقي التصوف الحق مما علق به من
شوائب كدرت صفاءه، وشابت جوهره، مما تأثر به من مصادر أجنبية غريبة عن طبيعة
الإسلام ووسطيته، ومما دخل عليه من أوهام البشر وأهوائهم وتجاوزاتهم المائلة
إلى الغلو حينا، وإلى التقصير حينا آخر، ودين الله ـ كما قال سلف الأمة ـ بين
الغالي فيه والجافي عنه.
وقد كان
مما أثر في التصوف جملة أشياء، منها:
1. قبول
"الإسرائيليات" التي جاء بها من أسلم من أهل الكتاب، وكثير منها لا يوجد له
أصل في كتبهم المعروفة، مما يدل على أنها من حكايات العوام بعضهم
لبعض.
2.أخذ كل ما
يروى من الأحاديث النبوية مأخذ التسليم، دون تمييز بين ما يقبل وما يرد، بناء
على ما قيل من أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال، وفي الترغيب
والترهيب ونحو ذلك، ورغم أن هذا ليس متفقا عليه، فإن الذين قالوه اشترطوا
لقبول الضعيف شروطا لم يراعها المتصوفة في الغالب، حتى إنهم رووا الأحاديث
الضعيفة جدا، والتي لا أصل لها بالمرة، والموضوعة المكذوبة، وهذا شائع بينهم
ومعروف.
3. الثقة
المطلقة بشيوخهم، فما قاله الشيخ فهو حق، وما أمر به فهو مطاع، دون أن يعرض
ذلك على الشرع، وقد شاع في التربية عندهم قولهم: من قال لشيخه: لم؟ لا يفلح!
المريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل!! مع أن من المقرر المتفق عليه:
أن كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه، إلا المعصوم ـ صلى الله عليه
وسلم.
4. الثقة
كذلك بأذواقهم ووجداناتهم الخاصة، وما يأمر به الكشف والإلهام، والرجوع إلى
حكمها مثل حكم الشرع أو قبله! مع أن تلك الأذواق والإلهامات، غير مأمونة ولا
معصومة، وقد أغنانا الله عنها بالوحي الذي لا يضل ولا ينسى.
5.
عدم الوقوف عند ما جاء
به الشرع في العبادات والأذكار والسلوكيات، ووضع أوراد من عند المشايخ بدل
الأوراد المأثورة، واختراع عبادات أو قبول عبادات لم يأمر بها قرآن ولا سنة،
وإنما هي ما أحدثه الناس، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في
النار.
لهذا
سيكون عمدتنا هو القرآن الكريم المصدر الأول للملة، والينبوع الأول للعقيدة
والشريعة والتربية والسلوك، ثم السنة المشرفة المبينة للقرآن، مكتفين بالصحاح
والحسان من الأحاديث، فهي التي تبين موقف الإسلام من الأحكام ومن السلوك، وما
نذكره من حديث نبين من أخرجه ودرجته، وعندنا من الأحاديث المقبولة ما يغنينا
عن الأحاديث الواهية، وإذا ذكرنا ـ في أحيان قليلة ـ الضعيف، فذلك للاستئناس
به لا للاحتجاج والاستشهاد.
وسنضرب
صفحا عن الإسرائيليات إلا ما كان منها مؤيدا لما ثبت في ديننا من فضائل
ومكارم، وكذلك عن غرائب الأقوال والحكايات التي تتسم بالمبالغة والتهويل، ولا
يقوم على صحتها دليل.
وسننقل عن
كبار شيوخ القوم مالا بد لنا منه، لشرح المفاهيم، وبيان الحقائق، وتوضيح
القيم، وخصوصا المعروفين منهم بالاستقامة والالتزام، مثل سيد الطائفة الجنيد،
وسهل التستري، وأبي سليمان، والزهاد الأوائل مثل: الحسن البصري، والفضيل بن
عياض ومالك بن دينار وغيرهم.
وسنقتبس
من تراث القوم ما يكشف الغوامض، وينير العقول، ويوقظ القلوب، ويحرك العزائم،
مثل كتب الحارث المحاسبي، والقشيري، وأبي طالب المكي، والغزالي، وابن القيم،
وابن عطاء الله، وغيرهم.. إلى جوار ما نأخذ من المفسرين والمحدثين والفقهاء
والمربين، من القدماء والمحدثين.
وسنبتعد
عن "المصطلحات" والكلمات المثيرة للجدل والخلاف، متوخين السهولة والتيسير
والاعتدال، فإن هدفنا أن نبني ولا نهدم، وأن نجمع ولا نفرق، وأن نهدي ولا
نؤذي، والعبرة بالمسميات والمضامين لا بالأسماء والعناوين.
وأملنا أن
نسهم ـ بهذه السلسلة ـ في تقريب الناس من ربهم الذي خلقهم فسواهم، لنأخذ
بأيديهم إلى الله، ونحشدهم في ساحة رضاه، والتخفيف من التكالب على الدنيا
والغفلة عن الآخرة، وتقوية الإيمان في القلوب، حتى يحب أحدهم لأخيه ما يحب
لنفسه، فإن لم يرق إلى هذه الدرجة، فليطهر صدره من الغل والحسد والأحقاد
والبغضاء، فإنها هي الحالقة، لا تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والتحذير من
القواطع الأربعة، التي تقطع السالكين عن طريق الله، والتي قال فيها
الشاعر:
|
بالنبل عن قوس له توتير! |
إني بليت بأربع يرمينني |
|
يا رب أنت على الخلاص قدير! |
إبليس والدنيا ونفسي
والورى |
التوازن بين فقه الأحكام وفقه
السلوك
الحق أن
فقه الأحكام الفرعية العملية المتعلقة بظاهر الحياة الدنيا ومعايش الناس، قد
شغل من حياتنا وفكرنا وجهدنا حيزا كبيرا، خواصنا وعوامنا.
لهذا
الفقه أنشئت المجامع المحلية والعالمية، وعقدت الندوات والمؤتمرات المتخصصة،
وأنشئت الكليات والأقسام، وألفت الكتب ما بين مبسوط ووسيط
ووجيز.
هذا
بالنسبة للخواص، وبالنسبة للعوام، قد شغلوا أنفسهم وشغلهم علماؤهم بالجزئيات
و التفصيلات، بل التعقيدات، حتى غدا باب الطهارة يدرس للجمهور خلال شهر رمضان
كله، ثم لا ينتهون منه.
هذا.. وقد
كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم من باديته، فلا يمكث إلا يوما أو
أياما، ثم يعود إلى قومه، وقد فقه دينه، بالرؤية والمشاهدة: "صلوا كما رأيتموني
أصلي".
ليس معنى
هذا أن نهمل فقه الأحكام الظاهرة، بل هو مطلوب وواجب، ولكن التوازن مطلوب
وواجب أيضا: التوازن بين الظاهر والباطن، أو بين أعمال الجوارح وأعمال
القلوب.
لقد جعل
الإمام الغزالي "الفقه" القائم على مراعاة الظاهر وحده، من "علوم الدنيا" لا
من علوم الآخرة! حتى إنه عاب على أهل الفقه في زمنه تركهم بعض فروض الكفاية
المهمة للأمة، وأكبوا على الفقه لما وراءه من مناصب القضاء والإفتاء وغيرها،
على حين لا يوجد طبيب في البلدة إلا من أهل الذمة!
لذا كان
لابد أن نعيد لـ "فقه القلوب" مكانه ومكانته، ونعطيه حقه من الاهتمام العلمي
والعملي، وأن نوجه عناية الخاصة والعامة إلى "فقه السلوك"، سلوك طريق الله،
وطريق الآخرة، فلا نجاة إلا به، ولا صلاح بغيره، بل لا حياة بدونه، ولا وصول
إلى الله بسواه.
إنها
التجارة الرابحة التي غفل عنها أكثر الخلق: التعامل فيها مع رب العالمين،
ورأس المال لها هو العمر، والبضاعة هي الطاعة، والربح هو المغفرة والجنة في
الآخرة، والحياة الطيبة في الدنيا: (إن الذين يتلون كتاب
الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور،
ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، إنه غفور شكور).
(من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة،
ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).
فمن ضيع
هذه التجارة، فقد ضيع نفسه، وخسر كل رأس ماله، وفاته خير الآخرة
والأولى.
|
وليس له منها نصيب ولا سهم! |
على نفسه فليبك من ضاع
عمره |
وصدق الله
إذا يقول: (قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك
هو الخسران المبين).
وخسارة
رأس المال هنا لا عوض لها، إذ لا عمر بعد العمر، ولا تأخير إذا جاء الأجل:
(ولن
يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها، والله خبير بما تعملون).
أسأله
تعالى أن يجعل هذه الدراسات قبسا من العلم النافع، وعونا على العمل الصالح،
ونورا يضئ الطريق، ويجعلها لي لونا من المجاهدة فيه، ولا يحرمني من الهداية
التي وعدها بقوله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع
المحسنين).
"اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عمل لا
يرفع، ومن دعوة لا يستجاب لها".
اللهم
اجعلنا من عبادك الذين يتعلمون فيعلمون، ويعلمون فيعملون، ويعملون فيخلصون،
ويخلصون فيثبتون، ويثبتون فيقبلون.
(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت
الوهاب، ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف
الميعاد)
الدوحة في
ذي الحجة 1413هـ ـ يونيو (حزيران) 1993م.
الفقير إلى
الله تعالى
يوسف
القرضاوي
عودة الى الصفحة
السابقة "كتاب "الحياة الربانية والعلم" للقرضاوي
عودة الى الصفحة الاسبق "محطات دينية"
 |