|

حلقات من
برنامج "الشريعة والحياة"
السنة النبوية
مصدر للتشريع
مقدمة
دور حوار اليوم حول
السنة النبوية المطهرة، باعتبارها المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب
الله الكريم، تساؤلات كثيرة حول السنة ومكانتها في التشريع
الإسلامي نطرحها اليوم على فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي
المقدم
ما هي
السنة؟
القرضاوي
الحمد لله والصلاة
والسلام على رسول الله، السنة في اللغة الطريقة ولكن في الاصطلاح
لها أكثر من مدلول، في اصطلاح الفقهاء السنة يقصد بها ما دون
الفرض، نقول هذا العمل فرض وهذا العمل سنة، أي مستحب أو مسنون عن
الرسول صلى الله عليه وسلم، والأصوليون عندهم السنة مقابل البدعة،
في اصطلاح يقال هذا سنة وهذا بدعة، أي لم يسنه الرسول صلى الله
عليه وسلم ولم يشرعه الدين، ويراد أيضاً بالسنة المصدر من مصادر
هذا الدين، سواء للتشريع أم للتوجيه، الأصوليون يهتمون بالسنة
مصدراً للتشريع، ولذلك يقولون السنة ما روي عن النبي صلى الله عليه
وسلم من قول أو فعل أو تقرير، أي أن هذا يعبر عن الطريقة التي كان
يسلكها النبي صلى الله عليه وسلم في فهم الدين وتطبيقه، لأن النبي
صلى الله عليه وسلم هو المسئول عن فهم هذا الدين وبيانه وتطبيقه
للناس (وأنزلنا الذكر لتبين للناس ما نزل
إليهم ولعلهم يتفكرون) (والذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو
عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي
ضلال مبين) فهذا التعليم والتزكية تجلى ما تجلى في سنته صلى
الله عليه وسلم بمعناها القولي والعملي والتقريري، يراد بالقول
أقوال تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي في غاية الروعة
والحكمة، وهناك الأفعال، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل
ومن هذه الأفعال ما كان المقصود به القربى، ومنها أفعال عادية،
يأكل ويشرب كما يأكل الناس، فالتمييز بين هذا وذاك أمر مهم،
والتقرير ما فعل بحضرته صلى الله عليه وسلم وأقره، فما أقره النبي
صلى الله عليه وسلم فهو صحيح، فهو لا يقر باطلاً ولا يسكت على
منكر، زاد المحدثون على هذا التعريف، قالوا أو وصف خلقي، فالسنة
ممكن أن تشمل هذه الأشياء التشريعية، وتشمل أشياء تتعلق بأوصافه
صلى الله عليه وسلم، كما قال أبو سعيد الخدري كان عليه الصلاة
والسلام أشد حياء من العذراء في خدرها، فهذا وصف النبي صلى الله
عليه وسلم، وكما قال أنس في وصفه الجسمي وأضاف بعضهم أو سيره، أي
ما يتعلق بسيرته، بميلاده، برضاعه بوفاته عليه الصلاة والسلام، هذه
أشياء لا تتعلق بقول ولا بفعل ولا بوصف، وإنما يقول لك ولد في كذا،
أو أرضعته حليمة السعدية رضع في بني سعد، وكما قالت عائشة رضي الله
عنها أول ما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي، الرؤيا
الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح، هذا أمر يتعلق
بسيرته عليه الصلاة والسلام، فكل هذا يدخل في مفهوم السنة النبوية
في معناها الرحب، والسيرة جزء من السنة النبوية، لأن السيرة تتضمن
إما أفعاله عليه الصلاة والسلام، أو أوصافه أو سيرته، فالسيرة هي
جزء من السنة.
المقدم
كيف
يستطيع المسلم البسيط أن يفهم السنة النبوية من خلال ما طرحته،
وكيف يتعامل معها؟
القرضاوي
السنة حجم كبير، وليس
مطلوب من المسلم العادي أن يتعامل مع السنة كلها، ولا حتى مع
القرآن كله، يتعامل المسلم مع ما يخصه من الأحكام حتى في العلم،
حين تكلم عن طلب العلم فريضة على كل مسلم، ما هو العلم المفروض على
كل مسلم؟ ليس مفروضاً على الفقير أن يتعلم أحكام الزكاة، لأن ليس
عنده مال حتى يزكي عنه، وحتى لو عنده مال، ليس مطلوباً من التاجر
المسلم أن يتعلم أحكام زكاة الإبل والبقر والغنم لأنها لا تخصه،
إذا يريد أن يحج يبدأ يتعلم الحج، كل ما يهمه أنه هناك أشياء هامة،
وما عليه أن يعرفه أنها فريضة على من استطاع إليه سبيلا، حتى يعرف
هل عليه الحج أم لا، وما هو السبيل المستطاع هذا؟ فيه أحكام عامة
يجب أن يعرفها كل مسلم، ثم كل إنسان يأخذ من القرآن والسنة على قدر
ما يحتاج إليه، فكل مسلم يحتاج أن يعرف كيف يقتدي برسول الله صلى
الله عليه وسلم والله تعالى يقول (لقد كان
لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر
الله كثيراً) فهذه الأسوة مطلوب من المسلم أن يعرف منها ما
استطاع وعلى أهل العلم أن ييسروا ذلك للناس، نعلم أن هناك فرائض
وهناك نوافل، هناك أشياء أساسية، وهناك أشياء هامشية يجب على
المسلم أن يعرف ما ينجيه من عذاب الله عز وجل، لذلك يجب أن يعرف
الأوامر الأساسية والنواهي الأساسية، فالنبي صلى الله عليه وسلم
قال "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا
إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من
الإيمان" الإمام البيهقي ألف كتاباً سماه الجامع لشعب
الإيمان، نشر في 14 مجلداً، ليس مطلوباً من المسلم أن يقرأ ألـ 14
مجلداً هذه، إنما يعرف شعب الإيمان الأساسية، لأن النبي صلى الله
عليه وسلم ذكر الحياء الإيمان وذكر لا إله إلا الله (التوحيد) وذكر
إماطة الأذى عن الطريق أي السعي في كل ما يخدم الناس ويزيل الضرر،
وهناك بر الوالدين وهناك صلة الأرحام، وهناك رعاية اليتامى، وهناك
الإحسان للمساكين، وهناك إكرام الجار (الجار
ذي القربى والجار الجنب) هناك أشياء لا نستطيع أن نلخصها،
لابد للمسلم أن يتفقه في دينه، (من يرد الله
به خيراً يفقهه في الدين) فعلى المسلم أن يحضر دروس العلماء
فليتعلم منهم، والعلماء الثقات، لأن هناك من العلماء من يخلط بين
الغث والسمين، بين الجيد والردئ، فتجد بعض الناس في دروسهم يذكرون
الأحاديث الواهية والمنكرة التي لا أصل لها، والموضوعة والمكذوبة
على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يميز بين هذا وذاك، هذا يؤخذ
منه العلم، حتى بعض الخطباء، أنا أحياناً أبتلى حين أذهب لبعض
البلاد أسمع خطيب، يمكن في الخطبة الواحدة يذكر ثلاثة أو أربعة
أحاديث لا أصل لها، والناس تسمعه وأحياناً يمصمصون الشفاه، لأن
أحياناً هذه الأحاديث التي لا أصل لها تكون غرائب والناس العوام
تحب الغرائب، هذه آفة، والعلامة ابن حجر الهيثمي سئل عن خطيب يأتي
للناس في خطبة الجمعة بأحاديث لا يذكر من أخرجها ولا من رواها،
فقال هذا لا يجوز إلا لأهل العلم الثقات الذين يعرفون أن الحديث
هذا صحيح، وإنما غيرهم يجب أن يقول روى الإمام مسلم في صحيحه كذا،
أو روى الإمام أبو داود، وإلا فمثل هذا يجب أن يعزر وأن يعزل عن
المسجد وعن تضليل الناس، فينبغي للمسلم الذي يريد أن يعرف دينه أن
يأخذه من العلماء الثقات في دروسهم ومحاضراتهم وخطبهم أو يأخذه من
القراءة، لأنه الآن أصبح الكتاب ميسوراً، وأصبح كل الناس قادرة على
القراءة، والمسلم البسيط يعرف العالم الجيد بالتسامع، فالعالم
الجيد يتسامع الناس عنه، فكيف يعلم الناس الطبيب الثقة من الطبيب
غير الثقة؟ الناس عادة تعرف هذا بالتسامع، فبالتسامع يعرف أن فلان
ثقة في علمه وثقة في دينه، لابد من الأمرين، أن يكون موثوقاً بعلمه
وموثوقاً بدينه، لأن بعض الناس قد يكون موثوقاً بعلمه ولكن لا ثقة
في دينه للأسف، يبيع دينه بدنياه، أو يبيع دينه بدنيا غيره، فكما
قال الشاعر الصالح قديماً:
نرقع دنيانا بتمزيق
ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
وأحيانا يكون العكس،
يكون رجلاً طيباً صالحاً ولكن لا يؤخذ منه العلم، لذلك السلف حذروا
من غفلة الصالحين، الذين تدخل عليهم الأحاديث المكذوبة والمزورة،
ويرددونها وهم لا يعلمون، فلابد في الذين يؤخذ عنهم العلم أن
يكونوا ثقة بعلمهم ودينهم، ولذلك قالوا اجتهاد العوام في العلماء،
اجتهاد العلماء في الأدلة، واجتهاد غير العلماء في العلماء، أي
يجتهد في أي رأي للعلماء أولى، يجتهد وإن أخطأ فقد بذلك ما عليه،
ويجب أن يسأل عن هؤلاء العلماء ويأخذ أكثر من رأي حتى يكون رأيه
فيمن يأخذ عنه العلم أو الدين عن الناس. أنا أقول السنة مصدر
للتشريع والتوجيه، لأن السنة كما يأخذ منها الفقيه زاده واستمداده،
يأخذ منها الداعية أيضاً والمربي، فدائماً نركز على أن السنة هي
مصدر للفقه والتشريع ونغفل أن السنة مصدر للدعوة والتربية
والتوجيه، فهي مصدر لهذا وذاك، بل السنة كما ذكرت في كتاب لي، مصدر
للمعرفة والحضارة أيضاً، نأخذ منها معرفتنا كما نأخذها من القرآن،
فهو الذي يصحح معرفة الناس ويبعد عنها الأوهام، وهي من ناحية أخرى
هي مصدر للحضارة والرقي بالإنسان لأعلى المراتب التي يحياها
الإنسان، التي تبنى على أساس رباني، فأنا أقول السنة مصدر للتشريع
والتوجيه، وهذا ليس معناه أنها مثل القرآن تماماً، مثل القرآن في
الاستدلال بها والاحتجاج بها والاستناد إليها، ولكن في الدرجة، لا
يمكن أن تكون السنة كالقرآن، لأن القرآن كله ثابت بالتواتر
اليقيني، الذي لاشك فيه، ومعنى التواتر أن القرآن كان ينزل على
رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر الصحابة أن يكتبوه، فيكتبوه
ويحفظوه، يكتبوه في كتبهم ويحفظونه في صدورهم، فلم يمت النبي صلى
الله عليه وسلم إلا وفي عدد من الصحابة يحفظونه، وفي صحف أيضاً
مكتوبة، ثم أخذ عن هؤلاء الصحابة تابعوهم، أجيال أخذت هذا النص
القرآني، أجيال عن أجيال، وليس فرد عن فرد، السنة بعضها متواتر وهو
قليل جداً خصوصاً السنة اللفظية، وبعضها غير متواتر، حديث الآحاد،
أريد أن أقول هناك أشياء نعرفها بالتواتر، ما معنى التواتر؟
الأشياء التي تنقلها طائفة عن طائفة يستحيل عليها أن تتفق على
الكذب، وهذا ليس في الدين فقط، حتى في أمور الدنيا، فأنا مثلاً
أعرف أنه يوجد مدينة اسمها بكين، لم أذهب إليها، وإنما من أين عرفت
بوجودها؟ بالتواتر، تواتر الناس وتناقلوا أنه توجد بلد اسمها بكين،
في التاريخ أعرف أنه يوجد شخص اسمه هارون الرشيد وأنه يوجد إمام
اسمه الإمام الشافعي، وأن هناك رجل فتح الفتوح اسمه الإسكندر
الأكبر أو نابليون بونابرت، هذه أشياء لم نشهدها كيف عرفناها؟
بالتواتر، كذلك هناك أحاديث انتقلت بالتواتر، والقرآن كله انتقل
بالتواتر، هذا يفيد اليقين الذي لا ارتياب فيه، هذا لم يحدث في أي
كتاب آخر، لم تنقل التوراة بالتواتر بل التوراة فقدت أيام أسر
الإسرائيليون في بابل، وبعد مدة من السنين كتبها بعضهم من ذاكرته،
فأضاف إليها ونقص منها وزاد، الأناجيل لا يوجد فيها هذا التواتر،
حتى إنجيل المسيح نفسه غير موجود، وإنما سير كتبها بعض تلاميذه
فيها بعض الموعظة، نحن نقول القرآن كله ثبت بالتواتر، السنة منها
ما ثبت بالتواتر خصوصاً في السنة العملية، مثل الصلاة، أنها خمس
صلوات وأن صلاة الظهر 4 ركعات وصلاة الصبح ركعتان وهكذا، وأن هذه
تبدأ بكذا وكذا، وأن هذه سرية وهذه جهرية، وهذه تجمع بين السرية
والجهرية، وأن الركعة عبارة عن قراءة وقيام وركوع وسجود، هذه كلها
أشياء منقولة بالتواتر، السنن العملية، فأنا أقول السنة تختلف عن
القرآن أن القرآن كله ثابت بالتواتر اليقيني، من ناحية أخرى القرآن
كله جاء بالوحي الجلي، أي (نزل به الروح
الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) جبريل
جاء بالقرآن كله آية آية، السنة لم يجئ بها جبريل وإنما عن طريق
الوحي الخفي، إما بالإلهام والنفح في الروع، أو بالرؤيا المنامية،
ورؤيا الأنبياء حق، أو بالاجتهاد أحياناً، والنبي صلى الله عليه
وسلم يجتهد في بعض الأمور وإذا أقره الله على هذا الاجتهاد يصبح
هذا من الوحي الباطن، لأن الله لا يقره على باطل، فهذا فرق أيضاً
القرآن كله معجز، ولكن السنة ليست معجزة، القرآن وحي باللفظ
والمعنى، السنة وحي بالمعنى فقط، لذلك تجوز رواية الحديث بالمعنى
عند جمهور العلماء ولكن لا تجوز قراءة القرآن بالمعنى، فهذه كلها
فروق أساسية، لذلك العلماء قالوا إن منزلة السنة تالية لمنزلة
القرآن، لذلك نستدل أن السنة حجة بماذا؟ بالقرآن، الذين يريدون أن
يقولوا أن القرآن فيه كل شيء، نقول لهم القرآن نفسه أمرنا أن نأخذ
بالسنة، حينما قال (أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول) (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (وأنزلنا
إليك بالذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) كل ذلك يدل على أن
القرآن فوق السنة والسنة تستمد حجيتها من القرآن.
المقدم
هل
هناك تشريعات وردت في السنة ولم ترد في الإسلام؟ وما حجم هذه
التشريعات مقارنة بتشريعات الإسلام الكبرى.
القرضاوي
توجد في السنة النبوية
أحكام مستقلة عما جاء في القرآن، أولا السنة مهمتها مع القرآن أنها
تخصص عامه أو تقيد مطلقه أو تفسر مجمله، وقد تنفرد ببعض التشريعات،
ففيه تخصيص العام لقوله تعالى (حرمت عليكم
الميتة والدم) فجاء في السنة على ما يدل على إباحة السمك
والجراد، استثنى هذا من الميتة وهذا يسمى تخصيص العموم، وقد يأتي
أشياء لتقييد ما أطلقه القرآن، أو تفسير أو بيان ما أجمله القرآن
أو أبهمه، مثل ما جاء في القرآن (أقيموا
الصلاة وآتوا الزكاة) ولكن جاءت السنة فبينت تفاصيل في
إقامة الصلاة، مواقيتها وأعدادها وركعاتها وكيفيتها .. الخ، كذلك
الزكاة، السنة جاءت فبينت أنصبة الزكاة والأموال التي يجب فيها
الزكاة والمقادير، هذا فيه ربع العشر وهذا نصف العشر وهذا العشر،
وهذا فيه الخمس ..الخ، وهذا كله بيان، وأحياناً تأتي بأشياء
مستقلة، مثل في العبادات المسح على الخفين، جاءت به السنة حتى أوصل
بعضهم الأحاديث التي عن النبي إلى درجة المتواتر، ومثلا في
المعاملات بيع السلم السلعة تكون مؤجلة والثمن معجل، ثمر على
النخيل أو قمح سيزرع أو غير ذلك، فهذا بيع السلم رخص به النبي صلى
الله عليه وسلم ووضع له ضوابطه وشروطه، في باب النكاح نجد النبي
صلى الله عليه وسلم نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها وعلى ابنة
أخيها وعلى ابنة أختها وقال (إنكم فإن فعلتم
ذلك قطعتم أرحامكم)، حرم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب
من الطير.. الخ، وإن كان هناك رأي للإمام الشافعي يقول، إن كل ما
شرعه النبي صلى الله عليه وسلم هو مما فهمه من القرآن، يرد هذا إلى
أنه مأخوذ من القرآن، يعني مثلاً تحريم العمة أو الخالة وبنت الأخ
وبنت الأخت، يقول قاسه النبي صلى الله عليه وسلم على ما جاء في
قوله تعالى (وأن تجمعوا بين الأختين)
جاء في المحرمات الجمع بين الأختين، والحكمة أنك إذا جمعت بين
الأختين تصحب كل منهما ضرة للأخرى وتتزاحمان على مقصود واحد فيترتب
على ذلك فساد كبير وقطع للأرحام، فالنبي صلى الله عليه وسلم قاس
العمة والخالة وبنت الأخت وبنت الأخ على هذا، فهذا مما استنبطه
النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم، مثلاً الله تعالى حّرم
الترف، وحمل القرآن على المترفين في آيات شتى، فجاء النبي صلى الله
عليه وسلم ووضع لنا أشياء تعتبر من الترف مثل تحريم أواني الذهب
والفضة، أو مفارش الحرير والديباج، فهذا يعتبر لوناً من الترف،
مثلاً في كل ذي ناب من السباع، قال هذا يدخل في قوله
تعالى (يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم
الخبائث) فحينما يحرم كل ذي ناب من السباع يقول أن هذا
تفسير للنبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا أشياء من الخبائث وهكذا،
فيمكن أن نرد بعض أو كل هذه الأشياء التي جاءت عن النبي صلى الله
عليه وسلم إلى أصول عامة في القرآن الكريم.
المقدم
مشاهد يقول: أنه من الناس من يتهمون فضيلتك بالتساهل في السوء
ويرون أنك تفتي بدون دليل أحيانا، ويرون أنك ميعت بعض القضايا في
السنة كاللحية مثلا، لم يذكر أي عالم أن حلقها مكروه كما ذكرت في
كتابك "مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية" وأيضا بعض القضايا كتقصير
الثوب والمصافحة والفوائد الربوية كشراء البيوت، والغناء وكثير من
قضايا السنة، فعلي أي شيء استندتم، وماذا نقول في قوله تعالى
(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)
وما حكم من لم يلتزم ببعض السنن التي يرى كثير من العلماء أن تركها
حرام؟
القرضاوي
أنا أقول للأخ، منذ بضعة
عشرة عاماً كنت في البحرين وعمل لي أخ عريضة اتهام وقال لي أنت
متهم بكذا، وذكر لي الأشياء التي اتهم بها، أنت متهم بقلة التحريم
وكثرة التحليل، أنت متهم بكذا وكذا ..، وقد رديت أنا على هذا في
شريط معلوم، حتى نشروه في البحرين وقالوا القرضاوي متهماً، وبعض
المسئولين قال ما هذا، كيف القرضاوي متهما؟!!، فهذه التهم في
الحقيقة قديمة، وهي تهم غير حقيقية، وأنا ردي أنني من المعنيين
بالسنة ومدير لمركز بحوث السنة والسيرة، وأخرجت عدداً من الكتب في
خدمة السنة، أخرجت مشروعاً لإقامة موسوعة نبوية، يمكن أول مشروع في
هذه القضية قبل أن يشغل الناس بها، وأخرجت كتاب المنتقى من الترغيب
والترهيب في خدمة السنة النبوية في مجلدين، وأصدرت كتاب الرسول
والعلم منذ بداية هذا القرآن كان في الاحتفال بالقرن الهجري سنة
1401هـ، وأصدر كتاب المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة،
وأصدرت كتاب كيف نتعامل مع السنة النبوية، وكتاب السنة مصدرا
للمعرفة والحضارة إلى الأشياء المتناثرة في هذا، فأنا لست غريباً
عن السنة، لا أنا من المدافعين عن السنة ولكن أنا أيضاً وضعت ضوابط
لفهم السنة في كتابي كيف نتعامل مع السنة النبوية وكتابي المدخل
لدراسة السنة النبوية وضعت ثمانية ضوابط لفهم السنة. أنا مع منهج
الإسلام في قلة التحريم، النبي صلى الله عليه وسلم قال
"إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل
مسألته" فالإسلام يضيق في التحريم، فأنا مع منهج الإسلام،
وإنما أنا مع منهج التيسير، وأرى أن هذا منهج نبوي لأن النبي صلى
الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وقال عليه
الصلاة والسلام حينما بعث أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جابر إلى
اليمن قال لهما "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا
تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا" وروى عنه خادمه أنس هذا الحديث
المتفق عليه "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا
تنفروا" فأنا من الميسرين بالدليل، فأنا منذ ألفت كتابي
الحلال والحرام وأنا أتبع الدليل، لأني لست مقلداً، ولا أزعم أني
مجتهد وإنما عندي مقدرة على الترجيح، وإذا لم يستطع العالم الذي
حفظ القرآن منذ صغره وعاش في الأزهر وأخذ أعلى الدرجات منه، وعاش
طول عمره يقرأ ويدرس، فإذا لم يستطع أن يقول هذا الرأي قوي وهذا
الرأي ضعيف، وهذا الرأي أصح، فلا قيمة لعلمه، فأنا أرجح ولكن
العلماء يختلفون، هناك المشدد وهناك الميسر، معروف في تاريخنا
شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس، أنا أقرب لابن عباس إلى ابن عمر،
وأرى أن الناس في عصرنا أحوج إلى التيسير، لرقة الدين وضعف اليقين
وكثرة المعوقات عن الخير وكثرة المغريات بالشر، فنحن في حاجة إلى
أن ننسب الناس إلى ساحة الله، فكلما يسرنا عليهم كان هذا أفضل إنما
كل شيء بدليل، فمثلاً الأخ الذي ذكر الثوب القصير، الأحاديث وردت
وأنا وضحت هذا في ضوابط فهم السنة من ضمن الضوابط لتفهم السنة أن
تجمع الأحاديث في القضية الواحدة، لا أن تأخذ حديثا واحداً وتترك
الباقي، إذا أخذت الأحاديث المجتمعة في قضية مثل تقصير الثوب تجد
هناك أحاديث أفادت أن الوعيد الشديد الذي جاء في هذه القضية إنما
هي بالنسبة لمن يفعل ذلك اختيالا، في حديث ابن عمر قال لا يريد
بذلك إلا المخيلة، وكان بعض زعماء العرب وكبراءهم يعتبرون ذلك من
علامات الفخامة والأبهة والغنى، وسيدنا أبو بكر
قال "يا رسول الله ـ عندما سمع هذا
الحديث ـ إن إزاري يسترخي ولا أتعاهده، فقال
يا أبا بكر إنك لست ممن يفعله خيلاء" وهذا ما قاله الإمام
النووي وقاله ابن حجر، فأنا لم أبتدع قولا أنا رجحت قولاً وأراه
أنه هو الأوفق بروح الدين والأوفق بهذا الوعيد الشديد، الوعيد
الشديد يدل على أنه يوجد أمر يتعلق بالمعاصي القلبية، أما اللبس
الأساس فيه مرجعه إلى أعراف الناس وعاداتهم، فالأخ الذي قال هذا في
الحقيقة ظلمني ولو تتبع ما كتبته وما أفتي فيه لوجد أني لا أقول
شيئا إلا بدليل، كذلك هو ذكر اللحية، هناك من علماء العصر ومن كبار
المشايخ من يقولون اللحية هذه من العادات، قال ذلك الشيخ شلتوت وهو
شيخ الأزهر والشيخ عبد الوهاب خلاف، والشيخ علي الخفيف، وقال ذلك
الشيخ محمد أبو زهرة، وهم أناس كبار، فطاحل العلماء أنا خالفتهم
وقلت أنها ليست من سنن العادات، هناك رأي يقول بتحريم حلق اللحية،
وهناك رأي ذكره الحافظ بن حجر في فتح الباري أن بعض العلماء يرى أن
حلقها مكروه، وأنا أخذت بهذا الرأي، وهو مبني على رأي على رأي في
الأصول أنا رجحته، هو أن الأمر في السنة هو للوجوب أو الاستحباب،
الرأي الذي رجحته أن الأمر إذا كان في القرآن فهو للوجوب، وإن كان
في السنة فهو للاستحباب وهو قول ذكره الزركشي في كتابه (البحر
المحيط) ومن حق الإنسان أن يرجح ما يراه، الآن العالم لا يسأل إلا
عما يعتقده، لا يسأل العالم أن يتبع رأي غيره، فلا يتبع رأيه الذي
كونه بنفسه حسب الأدلة التي يراها.
مشاهد
من لندن
حدثت فتنة في لندن في خصوص الصلاة على الشاعر نزار القباني وحدث
خلاف وفتنة في ذلك، هناك من أنكر السنة وقال يكتفي بالقرآن، وقالوا
أن القرآن يكتفى به فقد أوضح كل شيء، فأرجو توضيح هذا.
القرضاوي
أنا أرى الصلاة على كل
بر وفاجر، مادام الرجل يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله
فالعلماء أجازوا الصلاة عليه، بعض العلماء قالوا، لا يصلي عليه
إمام المسلمين أو قاضي المسلمين الأكبر، لو كان الإنسان مثلاً
شائبة من الشوائب إنما أرى أن الرجل كان مسلماً، نعرف أنه ارتد عن
الإسلام، تؤخذ عليه، أشياء انتقدناه ولكن الرجل مات على لا إله إلا
الله محمد رسول الله، فيجب أن يصلى عليه، من رأى أنه لا يستحق لا
يصلي، إنما الصلاة عليه فرض كفاية، لابد منها ويدفن في مقابر
المسلمين، ويعامل معاملة المسلمين، وأمره إلى الله عز وجل، الله
سبحانه وتعالى كما قال الناضب في التوحيد ومن يمت ولم يتب من ذنبه
فأمره مفوض لربه، فإن يثبه فبمحض الفضل، وإن يعذب فبمحض العدل،
ولعله تاب إلى الله وهو مريض أو كذا، نحن لا نعرف شيئاً، إنما الذي
أعرفه أنه مات مسلماً، فلماذا لا يصلى عليه. بالنسبة للذين ينكرون
السنة، هؤلاء في الحقيقة لا منطق لهم، لأنه كيف تستطيع أن تفهم
القرآن بدون السنة؟ والرسول صلى الله عليه وسلم عاش حياته يترجم
عن الإسلام العملي، حياته صلى الله عليه وسلم هي حياة تفصيلية
للإسلام، ومنهجه منهج الشمول والتكامل والتوازن بعض الناس أساءوا
فهم السنة، بعض الناس فهم السنة، اللحية والسواك وتقصير الثوب،
السنة هذه منهج للدعوة والتربية والتشريع، منهج متكامل، كما أراد
بعض الناس أن يصوم ولا يفطر أبدا، ويصلي الليل فلا ينام أبدا،
ويبتعد عن النساء فلا يتزوج أبدا، فقال صلى الله عليه
وسلم "أنا أخشاكم لله وأتقاكم له ولكني أقوم
وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"
السنة منهج متكامل متوازن، الذي ينكر السنة كيف يصلي؟ الله تعالى
قال (أقيموا الصلاة) كيف يصلي؟ كيف يعرف أنها خمس في اليوم وكيف
يعرف عددها، كل هذا عرفناه من السنة، فمن يرد السنة فإنما يرد هذه
الفرائض الأساسية في الإسلام، وهذه الأمور معلومة من الدين
بالضرورة، ومعنى هذا أن يعرفها الخاص والعام، لا تحتاج إلى إقامة
الدليل عليها، كل المسلمين يعرفون الأحكام الأساسية للصلاة
والأحكام الأساسية للزكاة والصيام والحج، هذه التفصيلات عرفت من
السنة النبوية، فمن ينكر هذا ينكر القرآن نفسه، لأن القرآن هو الذي
وكل إلى النبي صلى الله عليه وسلم التبيين
(لتبين للناس ما نزل إليهم) وهناك في علم القوانين، تصدر
قوانين معينة، وكل قانون تصدر معه مذكرة تفسيرية، وهذه المذكرة
التفسيرية أساساً لابد منه لبيان موضوع القانون، السنن هذه بمثابة
المذكرات التفسيرية، لتعرف لماذا نزلت هذه الآيات، وفيم نزلت فلابد
من السنة، وإنكارها كلية يخرج الإنسان من الإسلام، لأنه يترتب عليه
إنكار أشياء معلومة من الدين بالضرورة ولا شك.
مشاهد
من أبو ظبي
قضية التسامع بالعلماء قد تقود إلى الفتنة، فهناك من يقول الشيخ
القرضاوي متساهل وهؤلاء متشددون وهكذا. وآراء فضيلة الشيخ القرضاوي
لا يقول بها ولا يأخذ بها إلا غير الملتزمين بالإسلام.
القرضاوي
هو عليه أن يأخذ ما
يطمئن إليه قلبه، رأى الناس مختلفين هو ماذا يرجح؟ أنا ضربت مثلاً
بالطبيب ماذا ترجح عندما يختلف عليه طبيبان، ابنك مريض وأحدهم قال
لك رأي، فلابد أن يكون عندك قدر ترجح به أحد الطبيبين على الآخر،
كذلك رجع من العلماء لما يطمئن إليه قلبك، ولو أخطأت في ذلك. أما
أن آرائي لا يأخذ بها غير الملتزمين فهذا غير صحيح، فتاواي والحمد
لله الملايين من أنحاء العالم، أنا جاء لي من المغرب والحمد لله
وأهل المغرب يقولون ننتظر الشريعة والحياة مساء كل أحد، وحيثما
ذهبت، أوروبا أو إفريقيا يلقاني الناس بهذا، فمن قال ذلك هناك فئة
قليلة لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب ولا أي شيء، هؤلاء حتى لا
يعجبهم ابن حجر ولا النووي ولا العلماء القدامى ولا العلماء
المحدثين، هؤلاء لهم فقههم ولنا فقهنا ولا نقول فيهم سواءا.
مشاهد
من سوريا
في
قضية الرجم واللواط، في الآية القرآنية
(كتاب أحكمت آياته فصلناه تفصيلاً)
ويخاطب نبيه عليه الصلاة والسلام
(لتبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم)
فحسب فهمنا لهذه الأمور نرى أن الرسول عليه الصلاة والسلام سنته هي
تبيّين أحكام إلهية نزلت في القرآن وحسب، ما نرى أنه لا يحق للرسول
صلى الله عليه وسلم تشريع كقتل أو رجم ما لم يبين ذلك قرآنيا، مثال
على قتل الزاني المحصن، القرآن يقول
(والزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما
رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد
عذابهما طائفة من المؤمنين) هنا الله
سبحانه وتعالى أطلق ولم يخصص بأن يكون الزاني متزوجاً أو غير
متزوج، نعود لسورة النساء الله تعالى يقول
(فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما
على المحصنات من العذاب، ذلك لمن خشي العنت منكم أن تصبروا خير لكم
والله غفور رحيم). هذا بالنسبة
للآفة، ونصف العذاب نحن لا نفهمه بأنه نصف موت والدليل الآخر الذي
لدينا من القرآن (والذين يرمون
أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات
بالله إنه من الصادقين والخامسة أنه لعنة الله عليه إن كان من
الكاذبين) هنا نقطة التحول (ويدرء
عنها العذاب) لم يقصد سبحانه وتعالى
بأي كلمة تعني العذاب بالموت، ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه
وسلم في تحديد القتل "القتل في ثلاث،
التارك لدينه، المفارق للجماعة، والنفس بالنفس"
فهنا الرسول صلى الله عليه وسلم لم يذكر الزاني المحصن، والكلام
الذي أتى به قتل أو رجم الزاني المحصن كلام أعتقد أنه بالنسبة لنا
مرفوض، كذلك اللواط، الله تعالى يقول في سورة
النساء (واللاتي يأتين الفاحشة من نساءكم
فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى
يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً، واللذان يأتينها منكم
فآذوهما، فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان تواباً
رحيماً) بمعنى أن الأحاديث التي ورد
فيها مجالات الحكم بالموت على المسلم لم يرد فيها الزنا عن
الرسول "القتل في ثلاث التارك لدينه المفارق
للجماعة والنفس بالنفس"
فهنا أيضاً لم يذكر الرسول الزاني المحصن فيمن يجب عليهم الموت.
القرضاوي
ما قاله الأخ كان قد صرح
به الشيخ العلامة محمد أبو زهرة سنة 1972م في ليبيا حيث قال لأعرض
لكم رأياً في الرجم، وذكر ما ذكر الأخ في قضية الرجم وذكر ما ذكره
البخاري عن عبدالله بن أبي أوفى هل الرجم مثل سورة النور أم بعد
سورة النور حين سئل فقال لا أدري، ولكن ذكر العلماء والصحابة أن
الرجم كان بعد سورة النور فالرسول رجم في آخر حياته ، وفي عهد
الصحابة، رجم علي أبي طالب، ورجم عمر بن الخطاب، فقد رجم الرسول ما
عز ورحم الغامدية، كل هذا ثابت ووردت عدة أحاديث، فكل الأحاديث
الوارد فيها القتل ورد فيها الزاني المحصن ففي حديث ابن مسعود في
الصحيحين وغيرها "لا يحل دم مسلم إلا بإحدى
ثلاث النفس بالنفس، والثيّب الزاني، والتارك لدينه المفارق
للجماعة" وهذا مروي عن ابن مسعود ومروي عن عثمان بن عفان،
ومروي عن عائشة ومروي عن عدد من الصحابة، وفيها الثيب الزاني وهذا
أمر أجمعت عليه الأمة لأن الصحابة فعلوه بعد الرسول مما يثبت أنه
أمر ليس منسوخا، ولذلك كل العلماء الذين كانوا في ندوة التشريع
الإسلامي ردوا على الشيخ أبو زهرة وقد حاولت أن أجد هذا الرأي
للشيخ أبو زهرة في أي من كتبه فلم أجده مما يدل على أنه رجع في
قوله. وأحب أن أبين للأخ أن قضية الرجم هذه هي أكثر للترهيب حيث أن
الزنا لم يثبت فعلياً في التاريخ الإسلامي إلا بالإقرار المتكرر
كما في الحالات المثبوت فيها الرجم والرسول حاول أن يرد المقرر،
فالقضية لا تثبت إلا بهذا الاعتراف المتكرر. وفيما يتعلق بالقتل في
الزنا هل يمكن أن يتم بغير الرجم فأنا أرى أن للاجتهاد في هذا
الأمر مجال فالأمر قابل للبحث.
مشاهد
من جدة
أخ
عنده أثاث يطليه بماء الذهب فهل هذا فيه شيء؟
القرضاوي
إذا كان مجرد طلاء فليس
فيه شيء إلا شيء من الكراهة، وإنما ليس حراماً.
المقدم
مشاهد من نابلس أرسل رسالة شكر، والسؤال يقول: هناك بعض العلماء
حرموا تعدد الزوجات استناداً إلى
(ولن
تعدلوا)
فهل هناك علماء حرموا هذا استناداً لهذه الآية فيما تعرف؟
القرضاوي
لا أعرف من علماء
الشريعة من قال ذلك، ومن يقول ذلك لا يعرف معنى الإثبات والنفي،
وكأنه يتهم القرآن بالتناقض، ففي القرآن
(أنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) ثم في مكان
آخر فيه هذه الآية، وكذلك كأنه يتهم الرسول صلى الله عليه وسلم
بأنه لم يفهم القرآن وعدد، والخلفاء كذلك، ولو أنهم أكملوا الآية
(ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو
حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) فالآية تبين
أن العدل الكامل غير ممكن فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين
نسائه في الأمور الظاهرة ثم يقول "اللهم هذا
قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" أي في الميل
القلبي أي أن بعض الميل متهاون فيه.
مشاهد
من الإمارات
السؤال الأول: ما مدى صحة القول بأن تدوين السنة تم بعد وفاة
الرسول بـ 90 سنة وأن عدم تدوينها في حياته أدى إلى الخلافات بين
المسلمين والوضع والكذب في الحديث؟
السؤال
الثاني: ما قول فضيلة الشيخ في الأخذ بالأحاديث الضعيفة؟
القرضاوي
رد على ذلك المحققين من
العلماء وألفت في هذا كتب وبيّن كثيرون أن بدء تدوين السنة في
العصر النبوي، ورد على ذلك الشيخ سلمان الندوي في كتابه "الرسالة
المحمدية" أطوار التدوين في العصر النبوي ثم في عصر الصحابة ثم
تكامل في عصر التابعين وجاء في ذلك أدلة كثيرة، وكذلك ذكر هذا
الشيخ عجاج الخطيب له كتاب "السنة قبل التدوين" يبين فيها المراحل
التي مرت بها السنة، لأنه معروف أن أيام النبي صلى الله عليه وسلم
كان هناك أشياء مكتوبة، منها الكتب التي كتبها النبي صلى الله عليه
وسلم في الصدقات، وكتب كتبها عمرو بن حزم وكتب سمع بعض الناس أن
يكتبها مثل أبي شاه، فكان كثير من الصحابة يسجل الأحاديث.
السؤال الثاني مما لا شك فيه أن الله هيأ لهذه السنة رجالاً نخلوها
نخلاً، كما قيل لعبد الله بن باز بن المبارك "وهذه الأحاديث
الموضوعة" فقال تعيش لها الجهابذة فهم يعرفون هذه الأحاديث فقالوا
لابد من الإسناد، فطالب علم بلا إسناد، كحاطب ليل، فلابد أن يقول
روي الحديث عن فلان عن فلان عن فلان، فكان جامعي الأحاديث لابد أن
يعرفوا السنة، ومعرفة كل راوي فيعرفوا كيف يمكن أن ينقل فلان عن
فلان فيما يتعلق بالزمن والمسافة ومعرفة كل راو، حلقته وشيخه وهل
هو عدل، ضابط ..الخ، ولابد أن يكون السند من مبدئه إلى منتهاه
متصلاً فإذا كانت هناك حلقة مقطوعة لا يؤخذ الحديث، والحديث له
علوم والإمام السيوطي أوصلها إلى 93 علماً، وقد هيئ الله لهذه
السنة رجالاً عاشوا لها أعماراً، والإمام الشاطبي له عبارة جيدة
"إن الله سبحانه وتعالى تكفل بحفظ القرآن والسنة مبينة للقرآن فحفظ
المبين يقضي بحفظ بيانه" فالوعد الإلهي (إنا
نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) يعد بحفظ القرآن نصاً
وحفظ السنة ضمناً.
المقدم
سؤال خارج موضوع الحلقة: أنا أعمل في البنوك التجارية في السعودية
في شئون الموظفين فهل راتبي حرام؟
القرضاوي
إذا استطاع الإنسان أن
يجد عملاً لا شبهة فيه فهذا أولى، ولو كان عمله بعيداً عن كتابة
الربا وذلك لأن الإسلام يحاول محاصرة المنكر، ولكن هناك أيضاً هل
نترك المؤسسات الوطنية التي بها شبهات مثل الإعلام والبنوك لغير
المسلمين فمن الأفضل بقاء المسلمين فيها لعل يكون لهم تأثير في
تحويل المنكر. وأقول للسائل أن يبقى في عمله وينكر المنكر بلسانه
وقلبه ويجتهد أن يرزقه الله رزقاً لا شبهة فيه.
مشاهد
من أبو ظبي
الأمر إذا كان في القرآن فهو للوجوب، وإذا كان في السنة فهو
للاستحباب وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحق له التشريع فيما
لم يرد في القرآن فنرجو التوضيح.
القرضاوي
موضوع السنة وأن الأمر
فيها للاستحباب عليه أدلة كثيرة ففي كتاب "رياض الصالحين" للإمام
النووي نجد أن الكتاب مصنف باب استحباب كذا، وباب استحباب كذا، رغم
أن الأحاديث فيه تكون بصيغة الأمر مثل "سم
الله وكل بيمينك وكل مما يليك" فهذه أوامر تدل على
الاستحباب إلا إذا جاء دليل آخر مثل "لا
يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب
بشماله" ويمكن تفصيل ذلك في حلقة أخرى، أما أن الرسول ليس
حق التشريع فإن الرسول له حق التشريع والتبيين بنص القرآن
(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه
فانتهوا) (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (ولا ينطق عن الهوى)
لا ينطق عن الهوى فهو ينطلق عن وحي الله.
عودة الى الصفحة السابقة ((حلقات من برنامج "الشريعة والحياة" ..))
عودة الى الصفحة السابقة "محطات دينية"
 |